"فوضى" بين الدراما الإسرائيلية والواقع الفلسطيني

07-10-2023
معد فياض
الكلمات الدالة دراما فن فلسطين اسرائيل
A+ A-
رووداو ديجيتال

كنا قد نشرنا في رووداو، في الاول من آذار 2023، تفاصيل المسلسل التلفزيوني الاسرائلي "فوضى"، وتعني كلمة "فوضى" التي تحمل اسم المسلسل شفرة بين أفراد العمليات الخاصة تشير إلى أي عملية تخرج عن مسارها طلباً للتدخل العسكري المفتوح. الذي عرضته منصة نيتفليكس  Netflix، وتناول عبر اربعة اجزاء قصة وحدة إسرائيلية سرية تسمى "مستعرفيم" (المستعربون)، تنفذ قواتها الخاصة مهمات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها وهي تتنكر كالعرب. وكان "المسلسل قد  حصل على العديد من الجوائز من بين أكثر المسلسلات الدرامية الإسرائيلية نجاحاً على الإطلاق، سواء في إسرائيل أو خارجها"، حسب تقرير كتبته أورلي نوي، ونشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.
 
لكننا هنا نستعرض الفوضى الحقيقية او الواقعية التي نتجت عن سياسة اليمين الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين وخاصة قطاع غزة المحاصر، وهي بعيدة عن احداث المسلسل الدرامي الاسرائيلي الذي يُظهر شخصية دورن، الذي يعمل في وحدة قوات خاصة إسرائيلية، باعتباره يمتلك قوة خارقة Super man وبشكل غير واقعي لا صلة لها بما يجري من أحداث على أرض الواقع مع الفلسطينيين، و يتمتع، حسب سيناريو المسلسل، بصفات إنسانية نبيلة، يحافظ على حرمة البيوت، ولديه شهامة وأخلاق ومبادئ، ولا يقتل النساء والأطفال، ويتمتع بشجاعة ووفاء ورومانسية.
 
هو شخصية محورية في المسلسل مكتملة درامياً، وفي ذات الوقت هو شخصية مضطربة وقلقة وميالة للانتقام والقتل يكون سببا في خلق المشاكل دائماً، فهو متهور ولا يفكر في ما يقوم به خلال اللحظات الحرجة ليقع مع اعضاء فرقته في مشاكل بسبب روحه الانتقامية، ويعاقب عسكريا بسبب افعاله التي تضر بالمجموعة. بينما يقدم المسلسل الشخصيات الفلسطينية باعتبارهم ارهابيون، لا يتورعون عن قصف المستعمرات الاسرائيلية وقتل الابرياء من النساء والاطفال، او قتل شابة رهينة اسرائيلية بعد تحريرها واعادتها الى بيتها بدم بارد.
 
وشارك الممثل ليثور راز في تأليف المسلسل مع آفي يساخاروف، وهو صحافي مقربٌ من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، واعترف المؤلفان في تصريحات صحافية بتبني الرواية الرسمية الإسرائيلية للأحداث، وانحيازهما لها، فالمحتوى ليس سرداً مشتركاً للأحداث. وقال راز في تصريحاته "نريد أن ندفع الناس لمشاهدة هذه القصة والحبكة التي نكتبها، نحن لا نسعى إلى تغيير العالم. بوسعنا السعي فقط إلى جعل الناس يتجهون إلى الحديث مع بعضهم البعض والسعي لفهم كل طرف للآخر بشكل أفضل".
 
الكاتبة أورلي نوي، أشارت في تقرير لها، إلى قطاع غزة المحاصر الذي أغلقته إسرائيل منذ أكثر من عقد من الزمان، والطريقة التي عاقبت بها أكثر من مليوني إنسان فيه بالموت البطيء، ويبدو أن هذا المسلسل يمثل ملعبا افتراضيا جديدا من شأنه أن يروي عطش المشاهدين الإسرائيليين للإثارة.
 
مع كل هذا الانحياز والتبرير لفرقة (المستعرب) فان المسلسل يُظهر اعضائها في مواقف كثيرة ضعفاء، وينهارون في اللحظات الصعبة، حيث يقتل قناص اسرائيلي زميله بسبب اضطرابه خلال المواجهة مع مقاتلين من حماس، او خيانة رئيس الوحدة ايوب واعترافه باسرار خطيرة لحزب الله عندما يتم اختطافه من بروكسل الى لبنان، وكذلك فشل اسرائيل كدولة من كسب مايا، وهي من عرب 48، التي ظهرت في الموسم الرابع، وهي تسعى للاندماج بالدولة اليهودية كضابط شرطة متزوجة من زميل لها اسرائيلي يهودي، لكن الدولة تبقى تتعامل معها باعتبارها عربية وشقيقة (ارهابي)، عمر الذي يقود الاحداث، بعد اختطافه للضابط الاسرائيلي ايوب من بروكسل، للصراع مع حزب الله وإيران، وادارة دفة الأحداث بين بروكسل وإسرائيل والمناطق الفلسطينية لتنتهي في لبنان، ومثل أي دراما حركة (أكشن) مشوقة تجنح للخيال قدر الإمكان استطاع المسلسل أن يضع بطله درون وباقي الفريق في قلب الضاحية الجنوبية وفي قلب طرابلس شمالا في عملية إنقاذ لضابط أمن إسرائيلي "أيوب - غابي" الذي كان محورا لمواسم سابقة، وشخصيته المركبة انتهت في الموسم الأخير بمبالغات لا تصدق الا في افلام الخيال والبطولة المطلقة الغربية.
 
"فوضى" من وجهة نظر المسلسل التلفزيوني الاسرائلي تظهر غزة باعتبارها مسرحا للقتال، والتحديات المثيرة والمهام الجريئة التي تنتصر فيها دائما وحدة (المستعرب) الاسرائيلية. وهكذا يصبح الوضع الوحشي الذي يعاني منه مليونا فلسطيني تحت الحصار مجرد مرحلة تحددها القصة، وعلى هذا النحو يصبح حصار غزة نفسه أفضل عرض ترويجي للمسلسل التلفزيوني، دون ان يسال المشاهد الاسرائيلي نفسه او يبحث عن اسباب تحول غزة الى مكان مخيف والمواطن الفلسطيني المسجون خلف الجدران وهو يعاني من حصار مستمر، الى انسان مرعب وارهابي من وجهة نظر اسرائيل؟ وبسبب الحصار المفروض عليها، أصبحت غزة نوعا من الأساطير بالنسبة للإسرائيليين، أي إنها ليست حقيقية تماما، بمعنى أن الناس الحقيقيين ما زالوا يعيشون هناك، لكنها في الوقت نفسه مخيفة للغاية ومهددة. ولا يعتمد المسلسل فقط على الخوف من المساحات الفلسطينية، بل يضخّمه ويشرعه، حيث يصور الفلسطينيين على أنهم مخلوقات مخيفة وغريبة تعيش في أماكن لا تجرؤ إلا القوات الخاصة على المغامرة بدخولها.وقد أصبحت كل من نابلس ورام الله وجنين تمثل رمزا للعالم السفلي الذي يدخله الإسرائيليون ويغادرونه بـ"شجاعة"، بدلا من كونها مدنا نابضة بالحياة تبعد مسافة قصيرة بالسيارة عن المكان الذي يعيشون فيه. وحولوا الضحية الى وحش والجلاد الى بطل قومي.

 

 
الفوضى التي خلقتها اسرائيل بحصار غزة وعزلها بجدار كونكريتي، ليس من الصعب على الفلسطينيين تسلقه والعبور الى الجانب الآخر، وتقطيع أوصال السلطة الفلسطينية، هي غير الفوضى التي جعلت من وحدة المستعرب الاسرائيلية تتمتع بقوة خارقة، اما الفوضى الحقيقية بين الواقع والدراما الاسرائيلية فهذه التي تحدث اليوم والتي حولت الصراع الاسرائيلي الفلسطيني الى مسرح قتال عسكري يروح ضحيته الابرياء من كلا الطرفين.
 
وكان على اسرائيل ان لا تقدم غزة باعتبارها مسرحا لمسلسل درامي، بل تعرضها كمكان حقيقي يعيش فيه ناس حقيقيون يرزحون تحت معاناة لا توصف يفرضها الإسرائيليون عليهم كل يوم.
 
ولم يتعامل المسلسل مع موضوع عدالة او عدم عدالة تعامل الدولة اليهودية مع عموم الفلسطينيين، بل سلط الضوء على محاربة من اطلقت عليهم وصف (الجهاديين) وتعني حركة حماس وتنظيم داعش الارهابي وبقية الجماعات (الجهادية).

 

 
مؤلف "مسلسل فوضى" الصحفي السياسي المتخصص بقضايا المخابرات، آفي يساخاروف، يعترف في تصريحات صحفية بان "حل الدولتين انتهى". ويضيف آفي وهو متخصص بالتحليل السياسي "أن الحل انتهى لأنه لا يوجد شركاء سلام، لا يوجد شريك إسرائيلي ولا يوجد شريك فلسطيني كما يقول. أما حل الدولة الواحدة بعيد عن التحقق". ولا يرى مؤلف "فوضى" أن حكومات يمينية تسيطر على الدولة مثل حكومة نتانياهو يمكن لها أن تعطي "حقوق مدنية أو سياسية للفلسطينيين في الضفة، مما يضع الأمور رهنا للرعب القادم من الاحتمالات المفتوحة، طبعا في غياب شركاء السلام".
 
ونبّه الى اننا "اليوم أمام حالة متفجرة في غزة يغذيها كل يمين من كل طرف، وقد وصلت الحالة ذروتها بتسليم مقاليد السلطة لليمين المتدين والقومي في حكومة بنيامين نتنياهو. وعلى الأرض، تبدو كل آفاق الحلول "السياسية" بعيدة جدا أمام احتقان هائل يتوالد منه غضب مستمر يغلب على المزاج العام عند كل الأطراف، وهذا ما قاد الاوضاع راهنا الى انفجار يبدو في الوهلة الاولى انتصارا لحماس وصدمة قوية لاسرائيل، لكن الفوضى الحاصلة حاليا تهدد اي محاولة للسلام، ونحن في انتظار الرد الاسرائيلي الذي هدد به نتنياهو، والذي بدأ بالفعل، وهذه هي الفوضى الحقيقية والخطيرة.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب