رووداو ديجيتال
بالرغم من تناول السينما العربية ومن خلال افلام عديدة للقضية الفلسطينية، الا ان فيلم"المخدوعون" للمخرج المصري توفيق صالح، والذي اقتبسه وكتب السيناريو له عن رواية "رجال في الشمس" التي صدرت للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، عام 1963، أغتيل في 8 تمّوز 1972، على يد الموساد بتفجير سيارته بمنطقة الحازمية قرب بيروت. الفيلم من بطولة كل من: عبد الرحمن آل رشّي (أبو الخيزران سائق الصهريج)، محمد خير حلواني (أبو قيس)، بسام لطفي (أسعد)، صالح خلفي (مروان)، ويعد من الافلام التي غيرت مسار السينما الفلسطينية اسلوبا واخراجا، بل وضع القضية الفلسطينية في واجهة السينما العالمية، إذ اختير من بين أهم مائة فيلم سياسي في تاريخ السينما العالمية وحصل على العديد من الجوائز في المهرجانات السينمائية الدولية.
كنت قد شاهدت فيلم"المخدوعون" المنتج عام 1972، في منتصف السبعينيات عندما كنت طالبا في اكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، حيث تم عرضه بوجود المخرج، توفيق صالح، رحل عن 86 عاما سنة 2013، حيث كان استاذا في قسم السينما في الاكاديمية، وفي الوقت الذي كان عرض"المخدوعون" ممنوعا في بعض الدول العربية بضمنها مصر، وفي سوريا، التي انتجت الفيلم، تم عرضه لاسبوعين فقط. بعدها شاهدته لمرات عديدة كونه، الفيلم، اعلن عن تاسيس مدرسة سينمائية جديدة. فالمخرج أحد رواد السينما الواقعية المصرية، وترك بصمته المؤثرة على تاريخ السينما العربية، ورسّخ اسمه باعتباره واحدًا من أهم رموز ما اصطلح على تسميته بـ "السينما الجديدة" أو "الواقعيّة الجديدة" في العالم العربي، رغم أنه لم يحقّق إلّا سبعة أفلام روائية طويلة، وسبعة أفلام قصيرة، قدّمها بين عامي 1955 و1980. وقد اختار النقّاد أربعة أفلام من إخراجه في قائمة أفضل مائة فيلم مصري في احتفالية مئوية السينما المصرية عام 1969.

قدم المخرج توفيق صالح على مدى 40 عاما في العمل الفني حوالي سبعة أفلام روائية طويلة فقط، كان أول أفلامه "درب المهابيل" 1954 تايف نجيب محفوظ، وفي عام 1962 اخرج فيلم "صراع الأبطال" ثم أخرج بعدها ثلاثة أفلام، هي: "المتمردون" عن قصة للصحفي صلاح حافظ، و "يوميات نائب في الأرياف" للكاتب توفيق الحكيم عام 1968، ثم "السيد البلطي" عام 1969 عن قصة لصالح مرسي، ثم سافر إلى سوريا وأخرج فيلم "المخدعون". وكان اخر افلامه "الأيام الطويلة" عام 1980 ، انتاج المؤسسة العامة للسينما والمسرح العراقية.
فيلم "المخدوعون" يتناول تبعات نكبة 1948 من خلال معاناة ثلاثة شخصيات فلسطينية من أجيال مختلفة وظروف مختلفة لا يجمع بينهم شيئاً سوى محاولتهم للخلاص من اوضاعهم المأساوية في مخيمات اللاجئين والوصول إلى الكويت للبحث عن فرصة حياة أفضل.
يستهل الفيلم بمشهد رجل مذعور يمشي بصعوبة وسط الصحراء ويبدو من خلال السراب كأنه شبح. وفي مقدمة المشهد هيكل عظمي بشري وبخلفية صوتية، هي عبارة عن عزف بالناي أشبه بالشكوى. وعلى الشاشة نقرأ بالأبيض على الإطار الرمادي للصورة، الفيلم بالاسود والابيض، أبياتا شعرية لمحمود درويش:
"وأبي قال مرة
الذي ماله وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر".
وهذه الابيات الشعرية تلخص جزء مهم من ثيمة الفيلم.
تدور أحداث فيلم "المخدوعون"، الذي تم تصويره في العراق، عند نقطة كويتية في الحدود بين العراق والكويت، في زمن غير محدد تماماً، لكنه غير بعيد من زمن حدوث النكبة التي شردت ملايين الفلسطينيين خارج ديارهم، وأودتهم إلى مخيمات اللجوء، مجبرة كثراً منهم على البحث عن مصادر رزق. وفي زمن أحداث الفيلم، كانت الكويت في بداية فورتها النفطية تمثل مصدراً للرزق بالنسبة إلى عشرات الألوف من الفلسطينيين، غير أن الوصول إليها والحصول على فيزا دخول لم يكن بالأمر السهل في ذلك الحين. ومن هنا راجت تجارة تهريب العمال والأفراد عموماً، عبر الحدود العراقية. وشخصيات الفيلم هم ثلاثة من أولئك العمال وجدوا أن الحل الأفضل للتسلل إلى الكويت، انطلاقاً من العراق، عن طريق اختباؤهم داخل صهريج لنقل المياه فارغ من تلك الصهاريج التي كانت تتنقل بين العراق والكويت بالاتفاق مع سائقها المهرب، مقابل مبالغ مالية، شرط ألا يتنبه أحد إلى وجودهم في الصهريج".

خلال تلك الرحلة التي تجري وسط طقس ملتهب في عز الصيف الصحراوي، يتوقف الصهريج طويلاً، عند نقطة الحدود الكويتية، حيث ينشغل السائق في احاديث تافهة ومطولة مع المفتشين ورجال الجمارك الكويتيين الذين يسخرون معه ومنه، في وقت يتلظى فيه العمال المهربون داخل الصهريج لينتهي الأمر بموتهم من دون أن يتنبه إليهم أحد ومن ثم نرى في نهاية الفيلم جثثهم مرمية في مزبلة على الطريق.
السيناريو، لم يكن مجرد سرد سينمائي لذلك الحادث الدرامي، بل قطعته مشاهد عدة تستعيد ذكريات هؤلاء المهربين، وشظف عيشهم، مع التفاتات ذكية وذات دلالة إلى الأوضاع العربية، السياسية والاجتماعية، بشكل عام، التي من ناحية جعلت الفلسطينيين يعيشون تلك المأساة المرعبة، بالمعنى الحدثي والمعنى الرمزي في الفيلم والقصة، ومن ناحية ثانية جعلت الحدود بين البلدان العربية عصية على العبور إلى ذلك الحد. توفيق صالح، وطبعاً على خطى غسان كنفاني، كان يعرف، أولاً وأخيراً، أنه ربما يحقق فيلماً سياسياً، وليس شريطاً عن مغامرة ودراما حياتية وحسب.
ذلك أن فيلم "المخدوعون" على الرغم من فقر إنتاجه، والظروف الصعبة التي تحكمت بصنعة مخرجه الذي كان في ذلك الحين منفياً خارج وطنه، عرف كيف يصنع فيلماً جيداً، مفعماً بالأبعاد الفكرية العميقة والفنية التجديدية، وهو الذي عرف كيف يدخل الأدب الفلسطيني إلى السينما. ويقول جوهر القضية عبر أحداث تجري على بعد مئات الأميال من أرض فلسطين، من دون أن يكون فيه مخيمات، أو كفاح مسلح، أو مجابهات بطولية، أو اصوات رصاص وانفجارات ودماء أو طبول حرب تقرع من هنا أو هناك.
قال المخرج توفيق صالح عن فيلمه المخدوعون:" طوال حياتي كنت أعتبر كل فيلم جديد أصنعه، بداية جديدة لأنني أكون قد تعلمت كثيراً من تجاربي السابقة، لكني أعتبر (المخدوعون) بداية الوعي السينمائي الحقيقي بالنسبة إليَّ، بداية السيطرة على الحرفة، ويا ليتني حصلت على صناعة الأفلام بعده، فربما عندئذ كنت أنجز ما كنت أحلم به. كان أمامي هدفان، الأول هو أن تكون كل جملة في الفيلم إشارة إلى جانب من جوانب القضية الفلسطينية. والثاني هو أن أستخدم (الفلاش باك) -التراجع الزمني- كبناء أساسي للسرد، ومن أجل (تضفير) هذين الهدفين معاً، كان لا بد من أن أستخدم (الفلاش باك) على نحو مختلف (بخاصة أن) الماضي في سيناريو فيلم (المخدوعون) كان استمراراً للحاضر، لأن المأساة مستمرة، ولذلك كان البناء الدرامي في الفيلم معقداً أو متشابكاً".

تجاوز توفيق صالح في (المخدوعون)، كل ما هو سائد في التعاطي الفّنّي والفكري مع القضية الفلسطينية. حيث تجاوز مرحلة النواح والبكاء وتوقّف أمام مسؤولية الفلسطيني نفسه عمّا جرى وذلك من خلال حكاية ثلاثة فلسطينيين يحاولون الهروب من أوضاعهم البائسة، وهو بذلك لم يبرّئ أحدًا من عار الهزيمة في هذا الفيلم، وصور كيف باع الزعماء العرب أرض الفلسطيني وسلموه خطبًا رنانة، أما داخل البيت الفلسطيني فقد دان فيلم (المخدوعون) كلّ من رأى في الفرار نجاة. وتسائل هل يتمكّن أبو قيس وأسعد ومروان، ابطال القصة، من عبور الحدود العراقيّة-الكويتيّة في غياب الحلّ العربي والجماعي لقضيّتهم؟.
هذا الفيلم الذي، بعد أن حورب في سوريا نفسها طويلاً ومنع عرضه، في الأقل كما ذكر صالح نفسه في مذكراته وأحاديثه الصحافية، تمكن عامها من الوصول إلى مهرجان "كان"، ثم إلى مهرجان "قرطاج" في تونس، حيث كانت له جوائز وتكريمات رفعت اسم مخرجه عالياً. وقالت إن في الإمكان صنع سينما فلسطينية جيدة، لا مجرد أشرطة مناضلة تريح ضمير صانعيها والمشاهدين. وقُدّر للفيلم أن يفوز عام 1972 بالجائزة الأولى (التانيت الذهبي) في "مهرجان قرطاج السينمائي"، والجائزة الأولى في "مهرجان ستراسبورغ لأفلام حقوق الإنسان" عام 1973، وكذلك الجائزة الأولى من "المركز الكاثوليكي الدولي" ببلجيكا بنفس العام، وفي عام 1973 أيضًا نال (جائزة لينين للسلام) من "مهرجان موسكو السينمائي".
وكان (المخدوعون) هو العنوان الذي اختاره توفيق صالح كبديل لعنوان رواية كنفاني"رجال في الشمس"، ومحه رمزية سياسية وفكرية، وهو عنوان هدف من ورائه صالح إلى أمر آخر، فهو لم يقصد أنّ سائق الصهريج (أبو الخيزران) قد خدع الفلسطينيين الثلاثة، بل أنهم هم الذين انطلت عليهم خديعة الخلاص بالسفر بحثًا عن الرزق، فابتعدوا عن بؤرة الصراع، لينتهوا جثثًا منسيةً في مزبلةٍ مجهولة.
الجدير بالذكر ان الروائي الفلسطيني غسان كنفاني كان قد قد شاهد الفيلم ثلاث مرّات في عروض جماهيرية، ولم يحتج على التغيير الذي أجراه توفيق صالح فيما يخصّ موضوع طرق الفلسطينيون الثلاث جدار الصهريج، وهذا ليس في الرواية لكن توفيق صالح اضافها في رمزية احتجاجهم ضد قتلهم، وتعمد ان يظهر احدى الجثث وقد سد قبضته المرفوعة عاليا.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً