رووداو ديجيتال
كانت المرة الاولى التي التقيت فيها مع الموسيقار العراقي المبدع كوكب حمزة عام 1973، حيث كان مشرفا في مديرية النشاطات الطلابية التابعة لجامعة بغداد في حي الوزيرية الساحر، آنذاك. كنت طالبا في السنة الاولى بقسم المسرح باكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، والمسافة بين بناية الاكاديمية ومركز النشاطات الطلابية اقطعها بسبعة دقائق، كنت احمل قيثارة اسبانية (كيتار) وانتسبت الى المركز لاتعلم العزف على يد الفنان الكبير كوكب حمزة، وفي اول ملاحظة له قال"ليش ما تتعلم العزف على العود؟"، اجبت قائلا" العزف على آلة العود صعب". اضافة الى هذا كنا في عصر انتشار الاغاني الغربية والاعجاب بفرقة البيتلز الانجليزية، واجادة العزف على الكيتار تمنحنا ميزة شبابية.
كان كلانا قادما من البصرة، حيث عمل هو لفترة طويلة في تدريس الفنون بمدرسة المربد بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة ببغداد، هناك، في البصرة اندمج وتماهى مع الروح (البصراوية) ثقافة ولهجة وفنا بالرغم من انه ولد في قضاء القاسم بالحلة (محافظة بابل)، وفي بغداد اصر على عراقيته وبانتمائه لكل العراق.
عمو الناعم
في جلسة موسيقية شبه خاصة ببغداد حضرها فنانون وشعراء، بينهم فنانة مسرحية عراقية اصطحبت معها ابنتها ذات الخمس سنوات، وقتذاك، وبعد ادائه لمقطع من احدى اغانيه، وصفت الطفلة كوكب حمزة بـال "عمو الناعم"، وقال ردا على هذا الوصف بانه اجمل ما عبرت عنه هذه الطفلة في وصفه.. فهو بالفعل ناعما في سلوكه وتعامله مع الآخرين، لم يضمر اي عداوة او كراهية، بل على العكس من ذلك كان يفيض محبة وعطاء.
نجمة كوكب
كاتب القصة والروائي البصري(البصراوي) المبدع محمد خضير، قال في حديث لرووداو اليوم الاربعاء، 3 نيسان 2024:" نحن كنا نتصوره من البصرة بالرغم من انه كان من الحلة ذلك لاندماجه في الحياة الفنية والثقافية والاجتماعية في البصرة".

وبمناسبة رحيله المفاجئ، كتب الروائي محمد خضير عن كوكب حمزة قائلا:"في يومٍ بعيد، ليلةٍ من نهاية العقد الستّيني، ارتقينا، مجموعة، السلّمَ، لغرفةٍ في فندق على حافة ساحة أمّ البروم بالعشّار، يسكنها كوكب حمزة، وكانت واحدة من محطّات سكنِهِ الكثيرة، صغيرة وفقيرة، لكنّ (نجمةً) بزغَت في استقبالنا من أوتار العُود بحضنهِ، رحلت بنا إلى أقصى السماء. كان كوكب آنذاك يجرّب بروفة الأغنية الشهيرة التي سيغنّيها حسين نعمة فيما بعد، ويُخرجِها من تلك السماء الضيّقة إلى رحاب الدنيا، دنيا الغربة التي ستسبق كوكب حمزة أيضا إلى أبعد البلدان".
يضيف خضير في شهادته الابداعية عن كوكب قائلا:"كنا مجموعة، ثلاثة أو أربعة، لا أتذكر منهم غير عبد الرحمن طهمازي، ضمّتنا غرفة الفندق الصغيرة، حين دعانا الملحّن الشابّ لكي نشاركه تجربة الاختيار الدقيق لفضاء أوسع للأغنيّة. عزفَ اللحنَ مرّات، ثم ترقّب تأثير المطلع الغريب على أسماعنا. اللحنُ غريب، والكلمات،كما كتبها كاظم الركابي، تأخذ السمعَ والبصر إلى أرق المُناغيات النسويّة (دادة). في ذلك الوقت كان الاستماع لصوت كوكب المتطوّح، دعوة للانغمار بحنين لشيء مفقود، لم يعلم أحد منا كيف يستدلّ عليه أو يتثبّت من حقيقته. إذ لم يكن النغم غير (قنطرة)، في إشارة لاغنيته المشهورة (الكنطرة بعيدة) للشاعر زياب كزار( ابو سرحان)، ممتدّة على مرتفع مرصّع بالنجوم، كما بالمخاوف، النظرة العالية التي ترى الواقعَ الأسفل وتدعو لاكتشافه، قلبياً وفجائياً، بإحساس فرديّ ولسان شعبيّ، وربما هذا ما كنا نفتقده حقا: التوفيق بين الوعي الثقافيّ المتعالي والحسّ العام المرتجَل في أغنيّة قلبيّة!".
قبل اغنية (يا نجمة) كان كوكب حمزة يتدرب على التلحين، او على ان يضع نفسه وبثقة عالية بين الملحنين العراقيين المتميزين، فاطلق مفاجأتين في آن واحد، الاولى موسيقية ومتفردة في (يا نجمة) والثانية غنائية عندما أكتشف الصوت الجنوبي المميز، حسين نعمة، ليتالق في اول اغانيه( يا نجمة..عونك يا نجمة) والتي حققت اروع نجاح منذ انطلاقتها.
يستطرد الكاتب الكبير محمد خضير في حديثه عن نجمة كوكب حمزة، فيكتب:"بالطبع، ولحرارة اللقاء، كان الحوار تثاقفياً، بعيداً عن الحسّ الفطريّ الصريح، هذا الذي سيجسّده أداءُ حسين نعمة، ويضبط اقترانَ مُناغاته الحسّيّة ودرجاته النغميّة ضبطاً جمعيّاً. ستدلّ الأغنيّة، تطويحات كوكب حمزة الصوتيّة، على الحيرة والفقدان لقلوب هدّها انكسارُ الأفق التاريخيّ، وعذّبها ضياعُ الحبّ والمؤاخاة الوجدانيّة. وكان اللسان مجروحاً بالكلمات التي لا يمكن نطقها إلا بشقّ الانفس، بل بشقّ الأثواب، دلالةً على صعوبة الحوار والتفاهم بين الأفراد والجماعات، واستعدادها لجولة أخرى من التناحر والشقاق، أعني جولة نهاية الفترة الستينية بالعام ١٩٦٨ وابتداء عهدٍ ثانٍ من الحكم السياسي".
"الكنطرة بعيدة"
في بداية السبعينيات، العصر العراقي، وبالذات البغدادي، الغني ثقافيا واجتماعيا، عصر التطور الثقافي في الموسيقى والغناء والفنون التشكيلية وكتابة القصة والرواية والشعر وتألق المسرح، وصل كوكب حمزة الى بغداد للاستقرار فيها، سبقته شهرته الجماهيرية الواسعة باغنية (يا نجمة) و(الكنطرة بعيدة) التي ما كان تجمعا صغيرا او واسعا من المثقفين يتم دون ان نغني قصيدة (ابو سرحان) والتي تحولت الى نشيد وطني متفق عليه خاصة بين القوى اليسارية.

في دائرة رعاية النشاطات الطلابية ببغداد صار لكوكب مدارات وحلقات من لقاءات وحوارات.
يقول الشاعر فاروق سلوم الذي عاصر عن هذه المرحلة: "انتقل كوكب من تربية البصرة للعمل في دائرة رعاية الشباب التابعة لجامعة بغداد في مقرها في الوزيرية جوار السفارتين التركية والسعودية عام 1970 -1971 وكنا نتحلق حوله ؛ شعراء ورسامون ومطربون شباب وحملة فكر شاب يتوهج بأحلام اليسار قبل ان ينشط الرقباء وكتبة التقارير" .مضيفا:"لفتَ تجمع الشباب العراقي من طلبة الجامعة حول كوكب حمزة في تلك الدائرة كتبةَ التقارير والحزبيين المدججين ، فصنعوا محورا وتجمعا منافسا يشوش على تجمع الأبداع حول كوكب ، وكان التجمع المناويء يتكون من طلبة حزبيين وموظفين موتورين يرددون شعارات مجانية مقابل الغنى الثقافي في تجمعنا حول كوكب ، كان كوكب صاحب رسالة لذلك لم يكترث بل جعل المكان منتدىً ثقافيا وفنيا ومقصدا اجتماعيا تنويريا ، مما أثار انتباه الحزبيين الحاكمين في فترة كانت الجبهة الوطنية حلما عراقيا مشتركا ".
يستطرد الشاعر فاروق سلوم، قائلا:" غادر كوكب وآخرون كثيرون بهدوء وأصبح كلٌّ تحت نجمة في اصقاع العالم الباردة ، و لكن الذاكرة العراقية بقيت لتروي وان تعاقب الموت على الشهود ..في شباط عام 2012 وصل(الملحن) طالب القرغولي إلى السويد وجاء كوكب من كوبنهاغن لنقف معا متجاورين ومتذكرين عند بوابة القاعة في ستوكهولم نستقبل وجوها مهاجرة من اوربا واميركا وروسيا وقد اخذتها المنافي والغربات ويشدها الحنين للكلمة العراقية والحن اللمليء شجنا وحنوّا وقد بقيت وجوها عراقية وقلوبا تحمل الحلم النهريني الذي ظل كوكب حتى النفس الأخير يغني له ويلحن نصوصه الباذخة حتى يأتي النهار العراقي الواعد ..يوما".
طيور كوكب (الطايرة)
كانت اهم انجازاته في بغداد، وبعد اكتشافه لصوت حسين نعمة وتقديمه في عالم الغناء مع رائعته ( يانجمة) في اواخر الستينيات، اعلن عن اكتشافه لصوت غنائي جديد، سعدون جابر، ومع رائعته الجديدة اغنية" يا طيور الطايرة".

بينما كان كوكب حمزة يتمشى قرب ستوديو الموسيقى في المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون، سمع صوت شاب يدندن مع نفسه، كان هذا الشاب يشق طريقه الصعب في عالم الغناء، سمعه كوكب بوضوح واخبره بان عنده اغنية له..كانت المفاجأة لا توصف بالنسبة للمطرب الشاب سعدون جابر، حيث كانت متطلبات قبول المطرب من قبل لجنة فحص الاصوات في الاذاعة والتلفزيون صعبة، بالاضافة الى الشروط السياسية، وكان سعدون جابر محسوبا سياسيا على التيار اليساري (الشيوعي) دون ، وكذلك كوكب المقرب من الحزب الشيوعي العراقي والذي لحن قصيدة " ياطيور الطايرة مرّي أبهلي ..وياشمسنا الدايرة شوفي هلي" للشاعر اليساري زهير الدجيلي، التي أوصلت جابر الى عالم الغناء. كانت هذه الاغنية مفاجأته التي اطلقها مع اكتشاف صوت جديد، والتي انتشرت في العالم عبر الاثير وصارت نشيدا لكل العراقيين المغتربين حتى اليوم.
لقد اسس كوكب حمزة اسلوبا متميزا في تلحين الاغنية العراقية مازجا بين التجديد والتراث لتتحول الاغنية التي اعتمد في صناعتها على شعراء القصيدة الحديثة في الشعر الشعبي، الى مصاف آخر في عالم الغناء العربي وليس العراقي فحسب، وقد لحن لغالبية المطربين العراقيين، امثال:مائدة نزهت، سعدون جابر، حسين نعمة، فاضل عواد، فؤاد سالم، وغالبية هؤلاء، باستثناء مائدة نزهت، من جيل مقارب لكوكب حمزة، وللفنانة المغربية أسماء منور.
أمشي و"أكول وصلت"
في آخر لقاء لي مع الموسيقار كوكب حمزة، في الشتاء الماضي في احد فنادق منطقة عين كاوة في اربيل، حيث تحلقنا حوله مثلما كنا نفعل اي بداية السبعينيات، سالته فيما اذا كان هناك مشروع فني جديد في اربيل؟، قال:" انا هارب من برد الدنيمارك، التي يقيم فيها" واستطرد قائلا:" يا أخي الدنمارك باردة..وبردها قاسي جدا، لهذا انا اكون في الشتاء باربيل او بغداد لانعم بدفئ العراق والعراقيين سواء كانوا عرب أو كورد".
كان كوكب حمزة قد غادر العراق يوم 21 تموز 1974، متوجها إلى براغ ومن هناك الى موسكو ومنها الى باكو لدراسة الموسيقى في أذربيجان وتنقل ما بين كوردستان وسورية وأميريكا، حتى استقر في الدنمارك منذ العام 1989.
أمس نعت الاوساط الفنية والثقافية "مكتشف الاصوات" ومجدد "الاغنية العراقية"، الموسيقار كوكب حمزة الذي رحل في احدى مستشفيات الدنمارك إثر أزمة قلبية، وهو في الثمانين من عمره، لكثرة ما تنقل وتألم وتعب لبلوغ "الكنطرة" التي اراد عبورها الى وطن يستقر فيه بلا خوف وابتزاز وبرد ووجع وظلم، لكنها بقيت بعيدة حيث رحل وما عبرها.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً