رووداو دييجتال
في أصيلة شكّلت ندوة "طوني ماريني والمشهد التشكيلي المغربي"، المنتظمة ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الخريفية الـ 47، محطة استثنائية وعميقة الدلالة لاستعادة مسار واحدة من أبرز الوجوه النسائية والفكرية التي جسّدت على مدى عقود طويلة جسور التواصل الثقافي والحضاري بين إيطاليا والمغرب.
وراكمت ماريني، الناقدة الفنية والمترجمة الإيطالية المولودة في طوكيو سنة 1941 لأب عمل عالماً للإثنولوجيا ومصوراً وكاتباً شغوفاً بالثقافات الشرقية، تجربة فريدة امتدت في المغرب بين سنتي 1963 و1986، واتخذت من الإصغاء اليقظ والحوار الميداني سبيلاً لمقاربة الفن التشكيلي المغربي، بعيداً عن أشكال الهيمنة أو الأحكام الجاهزة أو المركزية الغربية.
تأسيس ومغامرة
قال الأكاديمي والناقد شرف الدين ماجدولين، منسق اللقاء والأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، لأن ماريني لم تكن مجرد فرد في عائلة كبرى، ولم تكن فاعلاً عابراً داخل المشهد، بل كانت فنانة انتمت إلى جغرافية خارج جغرافيتها، وإلى معتقد خارج معتقدها، وإلى لغة ليست لغتها، وإلى حقل رمزي لم تنشأ عليه أصلاً.
شدد ماجدولين على أن ماريني كانت جزءاً أصيلاً مما يمكن اصطلاحه بلحظة التأسيس الحداثية داخل المشهد التشكيلي المغربي؛ وهي لحظة كانت تشبه المغامرة، وكان الانتماء إليها محفوفاً بشتى المخاطر والتحديات.

نقد كاشف
الكاتب والباحث المغربي، حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أشاد بالمسار الفكري والنقدي المتميز لماريني، مشيراً إلى أنها تُعد من شهود التأسيس لمنتدى أصيلة، وواكبت المشهد الفني المغربي منذ بداياته بطاقة حوارية حية وشفيفة.
أوضح البطيوي أن الرهان الأبدي لماريني كان منصباً على تعرية المشترك الإنساني الكامن في عمق الأعمال الفنية، مثيرة من خلال كتاباتها نموذجاً فريداً للنقد الكاشف الناهض بأدوار الوساطة المعرفية والإنسانية. ولم تقف حدود رؤيتها عند التمحيص الجمالي فحسب، بل كانت كتاباتها صوتاً حيّاً ومدافعاً شجاعاً عن الفنانين الجدد، ولا سيما حضور المرأة في الساحة التشكيلية.
نبه البطيوي الى أن ماريني استطاعت، منذ زيارتها الأولى للمغرب في ستينيات القرن الماضي، نسج أواصر صداقة وثيقة مع مجتمع الفنانين والنقاد والمثقفين، متعالية عن أي منظور مقارن مع الجماليات الغربية، لترسم صورة الفن المغربي بوصفه كوناً رمزياً مستقلاً.
واستحضر البطيوي جانباً من تجربته الشخصية في طفولته، حين كان يشارك في مرسم الأطفال الذي تشرف عليه طوني ماريني بصبر وحنو كبيرين، مؤكداً أن ذلك الفضاء أسهم في تكوين جيل كامل بات اليوم من أركان التجربة التشكيلية في أصيلة والمغرب.
حاتم البطيوي، الأمين العام لمنتدى أصيلة
المشترك و"ضيافة الآخر"
شغف البدايات
انطلق الشاعر والروائي وعضو أكاديمية المملكة المغربية محمد الأشعري من أول علاقة ربطت ماريني بالمغرب سنة 1963، مستحضراً لقاءها في أحد مقاهي طنجة بالفنانين الرواد: محمد عطا الله ومحمد شبعة ومحمد المليحي.
اعتبر الأشعري هذا اللقاء لحظة كاشفة لأسئلة مرحلة تاريخية كاملة دار فيها نقاش حاد حول وضعية الفن المعاصر، وانتقدت البنية الثقافية والبيروقراطية الموروثة عن الاستعمار، متطلعة إلى بناء مشروع فني وثقافي مغربي جديد.
وأكد الأشعري أن أبرز ما يشدنا في تجربة ماريني هو اعتمادها على فكرة "البناء المشترك"؛ إذ لم تتعامل مع الثقافة من موقع المراقب الخارجي المتعالي، بل انخرطت في العمل الميداني والتجارب الجماعية بعيداً عن التصورات الإيديولوجية المسبقة. وشدد على أنها كانت تنصت بصبر عميق لتجربة الآخر، مستنيرة بمفهوم المفكر عبد الكبير الخطيبي بخصوص "ضيافة الآخر"، فعاشت تلك الضيافة بشغف متبصر ومسكون بروح المشاركة الميدانية الفاعلة.
ووجه الأشعري كلامه لماريني، مشيراً إلى أن كثيراً من الأشياء قد تغيرت في عالم اليوم؛ فالأصدقاء الرواد رحلوا وتركونا أمام السؤال المعلق المتعلق بـ "الخوف من الفن"، وفي ظل تحولات عالمية فرضت قاعات عرض، ووسطاء، وأسواقاً، وأسئلة جديدة حول الحداثة، لافتاً إلى أننا لم ننجح بعد في ربط الخيوط بين متخيل الماضي ومتخيل الحاضر، ولم نستعد ذلك الشيء الأساسي المتمثل في شغف البدايات وقلقها وتلك الروح الحالمة بتغيير العالم.

قلق وصرامة توثيق
أشار المفكر وعضو أكاديمية المملكة المغربية محمد نور الدين أفاية إلى أن مسار ماريني الفكري انطلق من الصداقة والمشاركة، ثم البحث نحو إنتاج المعرفة.
ورأى أفاية أن الصداقة مكنت ماريني من اكتشاف المغرب وطناً حقيقياً للفن، فسعت لفهمه في مظاهره التاريخية ومواكبة صيرورته.
واعتبر أفاية أن كتابات ماريني تمثل نصاً كثيفاً ومفتوحاً على أسئلة تاريخ الفن وعلاقته بالتراث والحداثة والمثاقفة، متجاوزة التصورات الاستعمارية نحو قراءة مستقلة، مشيرا إلى أن ماريني، التي اعتراها وعي قلق بكونها أجنبية وغربية، حاولت تجاوز ذلك بضبط النفس الفكري لتجعل من نصوصها وثيقة حية تسائل المجتمع وتحولاته.
بناء حداثة
سلط الأكاديمي والناقد الفني محمد رشدي الضوء على الحضور المؤثر لماريني بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، إلى جانب فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة.
وتوقف رشدي عند إشكالية بناء حداثة مغربية ما بعد الاستعمار من دون قطيعة مع التاريخ، مبيناً أن ماريني دافعت عن تصور لا يحاكي النموذج الغربي بل ينطلق من المرجعيات المحلية والشعبية. وخلص إلى أن منجزها النقدي يتميز بالوضوح، والدقة، والصرامة في التوثيق، والانفتاح الدائم على التجارب الجديدة.

مشروع جمالي
قدم الكاتب والباحث عبد الرحيم كمال قراءة رصينة في المشروع الفكري والجمالي لماريني، محققاً ثلاثة مبادئ حاكمة: رفض المركزية الإثنولوجية الغربية في النظر إلى الثقافات، واعتماد مسار نقدي انعكاسي يقود إلى "تغريب الذات" وإعادة النظر في موقعها أمام الآخر، والكشف عن الميتافيزيقا الكامنة خلف التقنية للوصول إلى الدلالات العميقة للأشكال الفنية.
تربية فنية
وكشف الطبيب النفسي عبد الله زيوزيو عن وجه آخر لتجربة ماريني، ارتبط بالطب النفسي والعلاج بالفن، مستحضراً تجربتهما المشتركة في محاولة نقل الفن إلى مستشفى الأمراض العقلية بمدينة برشيد، بهدف أنسنة الفضاء الاستشفائي.
وأكد زيوزيو أنه لا يرى في ماريني مجرد ناقدة فنية، بل يعتبرها "أنثروبولوجية للفن" لجمعها بين العمل الميداني والتوثيق والبحث والتصوف.
توثيق وتحليل
تناولت سليمة العيساوي، منظمة المعارض بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر عوالم ماريني من خلال روايتها "مقبرة الأبرياء". بينما استعاد الفنان عبد الله الحريري ذكرياته طالباً وأستاذاً وصديقاً لها في مدرسة الفنون الجميلة، مشيداً بدورها في تأطير الطلاب، والانفتاح على الثقافة البصرية المغربية، وارتباطها الوثيق بمجلة "أنفاس" وبروحها الإنسانية العالية.
اختار أحمد مجيدو، الأكاديمي ومنظم المعارض والأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، لمداخلته عنوان "طوني ماريني: عناية تاريخية"، منطلقاً من تجربة مدرسة الدار البيضاء ودور ماريني في بناء جسر معرفي بين مرحلتيها الحديثة والمعاصرة عبر كتاباتها التي جمعت بين التوثيق والتحليل، وطرح أسئلة الهوية والحداثة والتجريب الفني إلى جانب رواد الحركة التشكيلية.
فهم المغرب
تحدث الناقد والفنان التشكيلي بنيونس عميروش، تحت عنوان "طوني ماريني رفيقة الفن وأسئلته"، عن دوافع ترجمة كتابها الصادر عن دار "الفنك"، مستحضراً اقتباساً من كتابها الرحلي "الشاي الأخير في مراكش": "لم أستبعد أية فرضية معرفية جريئة لفهم المغرب. فإذا أردنا أن نفهم هذا الشغف، فذلك لأننا التقينا بأنفسنا هناك ذات يوم، وقد مد باراديغم عالمي يده إلينا. كما نعلم أيضا أن بلدا ذائع الصيت يعادل ألف بلد تمت زيارته".
بنت البلاد
قدمت موجة ماريني – المليحي، الكاتبة والمخرجة والمنتجة، شهادة مؤثرة استحضرت فيها جوانب من شخصية والدتها الإنسانية وعلاقتها الوجدانية بأصيلة وأهلها، مؤكدة أنها ووالدها المليحي لم يكونا أبوين فحسب بل كانا دليلين. واستعادت ذكريات طفولتها بين كبار الكتاب والفنانين في أصيلة، وموقفها العفوي مع الروائي محمد شكري حين أخبرها أن لديها أمّاً استثنائية، إضافة إلى شهادة المفكر عبد الكبير الخطيبي: "طوني ماريني، امرأة من رأس وقلب".
وتوسعت موجة في الحديث عن حب والدتها العميق لأطفال أصيلة واعتزازها بالانتماء للمكان وناسه، حيث كانت ترد على من يعاملها كسائحة، قائلة بالدارجة المغربية: "أنا بنت البلاد".
موجة ماريني، الكاتبة والمخرجة والمنتجة


