رووداو ديجيتال
جرت، يوم الأحد الفائت، 24 أيار، عملية اختيار تسعة ممثلين عن دائرتَي الحسكة وقامشلو في محافظة الحسكة، ودائرة كوباني في محافظة حلب، فيما حُسم مقعدا دائرة ديرك بالتزكية لغياب مرشحين منافسين. أما المقعد الوحيد المخصص لمنطقة سري كانيه في محافظة الحسكة، فكان قد حُسم أواخر العام الماضي، لكون المنطقة لم تكن تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
وجرت الانتخابات، كما في المحافظات السورية الأخرى، وفق نظام انتخابي مؤقت وغير مباشر، أُقرّ بموجب المرسوم رقم 143 لعام 2025، حيث انتخبت هيئات ناخبة معتمدة من اللجنة العليا للانتخابات أعضاءً يمثّلون الدوائر الانتخابية المختلفة.
وباستثناء محافظة السويداء، الخارجة بمعظم مساحتها عن سيطرة السلطة السورية الانتقالية، استُكملت عمليات الانتخاب في جميع المحافظات السورية. وينص النظام الانتخابي على انتخاب 140 عضواً، مقابل تعيين 70 عضواً من قبل أحمد الشرع، رئيس السلطة الانتقالية، ليكتمل عدد أعضاء مجلس الشعب البالغ 210 أعضاء.
ولم تسلم العملية الانتخابية، سواء من حيث نظامها أو آلية إجرائها أو نتائجها، من انتقادات واسعة في مختلف المناطق السورية. غير أن الانتخابات في مناطق غرب كوردستان أثارت جدلاً أوسع وسجالاً أكثر حدّة، لا سيما فيما يتعلق بالتمثيل الكوردي في البرلمان السوري عموماً، وفي المناطق الكوردية خصوصاً.
ففي محافظة الحسكة، أي منطقة الجزيرة الكوردية، منحت الهيئات الانتخابية المعيّنة ستة مقاعد للعرب مقابل أربعة مقاعد للكورد، أي بنسبة 60% للعرب مقابل 40% للكورد. أما في منطقة سري كانيه، فقد مُنح المقعد الوحيد لشخصية عربية من الموطّنين في المنطقة ضمن مشروع الحزام العربي، الذي يعدّه الكورد مشروعاً للتغيير الديمغرافي يستهدف وجودهم في مناطقهم التاريخية.
وفي منطقة كري سبي بمحافظة الرقة، مُنح المقعدان المخصصان للمنطقة للعرب، في حين حُرم الكورد من التمثيل النيابي في إحدى مناطقهم التاريخية. أما في كوباني بمحافظة حلب، فقد خُصص أحد المقعدين للكورد، فيما ذهب المقعد الثاني للعرب.
مقاطعة كوردية واعتراضات على آلية التمثيل
استبقت مجموعة من الأحزاب والمنظمات الكوردية، من بينها حزب الاتحاد الديمقراطي، الانتخابات بإعلان مقاطعتها لها. ففي 19 مايو (أيار)، أصدرت 24 جهة سياسية كوردية وسورية بياناً مشتركاً أكدت فيه رفضها الكامل لما وصفته بـ«التعيينات»، معتبرة أن آلية توزيع المقاعد تمثل استمراراً لسياسات التهميش العنصري الهادفة إلى تغييب القضية الكوردية.
وجاء في البيان: «نؤكد في القوى والأحزاب السياسية الكوردية أننا نرفض جملةً وتفصيلاً هذه التعيينات، ونعتبر آلية التوزيع الحالية استمراراً لسياسات التهميش العنصري الهادفة إلى تغييب القضية الكوردية. ونتمسك بحقنا في تمثيل برلماني حقيقي لا يقل عن أربعين مقعداً لأشخاص كورد يتبنون قضية شعبهم العادلة ممثلين عن روجآفاي كوردستان، تماشياً مع النسبة السكانية الواقعية للمكون الكوردي».
وفي تعليق على المقاطعة، قال موسى كنّو، عضو اللجنة القيادية في حزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا، لشبكة رووداو الإعلامية: «من وجهة نظرنا، لم تكن الانتخابات التي جرت في كوباني انتخابات حقيقية، بل تعيينات مسبقة. وقد فُرضت على الكورد، بعدما جرى الاتفاق على كل شيء في الغرف المغلقة، بحيث كانت النتائج جاهزة سلفاً».
وفي اليوم التالي لإجراء الانتخابات، عقد 21 حزباً كوردياً مؤتمراً صحفياً مشتركاً أصدر خلاله بياناً أكد أن السياسات المتّبعة «تعيد إنتاج عقلية السلطة المركزية وأساليبها التقليدية، مع استمرار العمل بالقوانين والإجراءات الاستثنائية ولكن بأدوات وآليات جديدة تحاول إضفاء شرعية شكلية على العملية السياسية».
كما انتقد البيان استمرار مشاريع التغيير الديمغرافي، عبر إشراك «عرب الغمر» في اللجان الناخبة، وتعيين أحدهم ممثلاً عن منطقة سري كانيه.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور فرهاد تيلو، رئيس الحزب الليبرالي الكوردي، أحد الأحزاب الموقّعة على البيان، لشبكة رووداو الإعلامية: «نحن لم نشارك في هذه الانتخابات، ونشجب مشاركة العرب المغمورين فيها، وهم ليسوا من السكان الأصليين للمنطقة».
مشاركة المجلس الوطني الكوردي
في المقابل، يُعد المجلس الوطني الكوردي في سوريا الطرف السياسي الكوردي الوحيد الذي أعلن مشاركته في الانتخابات وحدّد مرشحيه لها، حيث فاز ثلاثة من قياداته بمقاعد نيابية، اثنان منهم في محافظة الحسكة وثالث في كوباني، إضافة إلى عضوين فازا سابقاً في عفرين.
وحول هذه المشاركة، قال فرحان مرعي، عضو اللجنة السياسية في حزب يكيتي الكوردستاني، المنضوي ضمن المجلس الوطني الكوردي، لشبكة رووداو الإعلامية: «تمرّ سوريا عموماً، والمناطق الكوردية خصوصاً، بمرحلة استثنائية، ولذلك لن تكون هذه الانتخابات مثالية أو مرضية بالكامل».
وبشأن مشاركة العرب الموطّنين ضمن مشروع الحزام العربي في انتخابات محافظة الحسكة، ترشيحاً وتصويتاً، أقرّ مرعي بضعف موقف المجلس الوطني الكوردي تجاه هذه القضية، قائلاً: «كان أداء المجلس ضعيفاً في هذه المسألة. وكان يفترض به، خلال مباحثاته مع الدولة، أن يرفض هذه الانتخابات ما لم تكن نسبة تمثيل الكورد عادلة، وألا يقبل بمشاركة أشخاص لا ينتمون إلى المنطقة، أي العرب المغمورين».
انتقادات متواصلة ومخاوف من التهميش
وفي أحدث المواقف الصادرة بشأن الانتخابات، أصدرت سبعة أحزاب كوردية، تحت اسم «أحزاب اللقاء التشاوري»، بياناً اعتبرت فيه أن الانتخابات افتقرت إلى المعايير الديمقراطية، ولم تراعِ النسبة السكانية للكورد ولا التركيبة الديمغرافية لمحافظة الحسكة.
وقالت الأحزاب في بيانها: «إن ما سُمّي بانتخابات مجلس الشعب، التي جرت مؤخراً في محافظة الحسكة ومنطقة كوباني وقبلها في عفرين، غابت عنه جميع المعايير الديمقراطية، كما أن مبدأ توزيع المقاعد لم يراعِ إطلاقاً النسبة السكانية للكورد في سوريا«.
وأضاف البيان أن نتائج الانتخابات «عمّقت حالة الإحباط واليأس لدى الكورد بسبب استمرار سياسات التهميش وإنكار وجودهم كقومية ثانية في البلاد«. كما اعتبرت الأحزاب أن مشاركة بعض القوى السياسية الكوردية في الانتخابات ساهمت في تعميق الانقسام داخل الشارع الكوردي، رغم الآمال التي عُقدت على مخرجات «كونفرانس 26 نيسان 2025» والوفد الكوردي المشترك.
ومع اختتام عملية التصويت، حصل الكورد في مناطقهم التاريخية، الجزيرة وكري سبي وكوباني وعفرين، على ثمانية مقاعد من أصل سبعة عشر، مقابل تسعة مقاعد للعرب، ما أثار استياءً واسعاً في الأوساط الكوردية.
ويرى مراقبون أن غياب موقف واستراتيجية موحّدين للقوى السياسية الكوردية، وفشلها في الالتزام بمخرجات مؤتمر وحدة الصف الكوردي، أدّيا إلى إضعاف موقع الكورد السياسي وتدنّي مستوى تمثيلهم البرلماني، الذي جاء بما يتوافق مع رؤية السلطة الانتقالية.
وفي هذا السياق، قال الحقوقي الكوردي لزكين خلف لشبكة رووداو الإعلامية إن الانقسام داخل البيت الكوردي حال دون التوصّل إلى اتفاق مع الحكومة السورية الانتقالية بشأن نسبة تمثيل عادلة للكورد في مجلس الشعب، تعكس حجمهم الديمغرافي في مناطق روج آفاي كوردستان.
وأضاف أن هذا الانقسام «ترك الباب مفتوحاً أمام الرئيس السوري للتحكم بنسبة تمثيل الكورد من خلال حصته المخصصة للتعيين، والبالغة سبعين مقعداً برلمانياً». وهو ما يشكل، برأيه، خرقاً واضحاً لمبدأ الفصل بين السلطات.
وأشار خلف إلى أن تداعيات الانقسام الكوردي ظهرت بوضوح خلال الانتخابات البرلمانية غير المباشرة التي أُجريت في مناطق روج آفاي كوردستان، حيث لم يتمكن الكورد من الحصول حتى على غالبية المقاعد المخصصة لمناطقهم، بل أخفقوا أيضاً في نيل نصفها.
واعتبر أن هذه النتائج من شأنها إضعاف الموقف الكوردي داخل مجلس الشعب السوري، وفتح المجال أمام مزيد من التهميش للحقوق القومية الكوردية، فضلاً عن توسيع نفوذ السلطة التنفيذية في التأثير على السلطة التشريعية.
وختم خلف بالقول إن «الظروف الحالية، في ظل الانقسام الكوردي الداخلي وهيمنة السلطة التنفيذية على القرار التشريعي، تجعل فرص تثبيت الحقوق القومية الكوردية دستورياً ضمن أي دستور سوري مستقبلي محدودة للغاية«.
اعتراضات آشورية وانتقادات سورية أوسع
ولم تقتصر الانتقادات على القوى الكوردية، بل امتدت إلى مكونات سورية أخرى، من بينها الآشوريون الكلدان السريان.
وفي هذا السياق، قال جميل دياربكرلي، مدير المرصد الآشوري لحقوق الإنسان، لشبكة رووداو الإعلامية: «في مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء، جرت في محافظة الحسكة ما تسمى الانتخابات البرلمانية الفرعية، وهي عملية لم تثر سوى السخرية، لأنها جاءت ضمن سلسلة إجراءات أحادية وإقصائية تنتهجها السلطة في دمشق لفرض واقع سياسي مزيف».
وأضاف: «الغالبية العظمى من الآشوريين الكلدان السريان في سوريا وبلاد الانتشار قاطعوا هذه الانتخابات، لأنها قامت على منظومة دستورية تتجاهل التنوع السوري، وتتعامَل معنا كمواطنين محرومين من أبسط حقوق المواطنة المتساوية».
وأكد دياربكرلي أن مطالب الآشوريين «تتجاوز مجرد المشاركة الشكلية»، مضيفاً: «نطالب باعتراف دستوري صريح بوجودنا وبناء وطن تعددي يتساوى فيه جميع السوريين».
مواقف القوى السياسية السورية
على المستوى السوري العام، تباينت مواقف القوى السياسية من الانتخابات. فبينما انتقدتها هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سورية وتبرأت منها، التزمت جماعة الإخوان المسلمين الصمت حيالها.
وقالت هيئة التنسيق، في بيان صحفي أصدرته بتاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إنها لم تشارك في الانتخابات ولم تتضامن معها، معتبرة أن المناخ السياسي وآلية الإعداد للعملية الانتخابية «لا يمكن أن تنتج مجلس شعب يعبر عن مختلف أطياف الشعب السوري».
وأضاف البيان أن البلاد بحاجة إلى «مؤتمر وطني شامل يضع خارطة طريق للانتقال السياسي ويؤسس لعقد اجتماعي جديد ودستور دائم».
أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد جرت الانتخابات وسط تصاعد التوتر بينها وبين السلطة الجديدة ذات التوجه السلفي، والتي لا ترغب، وفق مراقبين، بوجود منافس سنّي منظم داخل الساحة السورية.
وبرز هذا التوتر في تصريحات أحمد زيدان، أحد مستشاري أحمد الشرع، الذي دعا في مقال له إلى «حلّ جماعة الإخوان ومنع عودتها إلى العمل العلني خلال المرحلة الانتقالية«.
ورغم التزام الجماعة الصمت وعدم إعلان مشاركتها رسمياً، كشفت نتائج الانتخابات عن نجاح شخصيات مرتبطة اجتماعياً وسياسياً بحاضنة الإخوان المسلمين، لا سيما في مدينة حلب.
وذكر موقع «سوريا المتجددة» أن قائمة يقودها عزّام الخانجي، المنتمي إلى عائلة إخوانية معروفة، حققت فوزاً واسعاً في أكبر دائرة انتخابية في سوريا، وضمّت ثلاثة مرشحين ينتمي آباؤهم إلى جماعة الإخوان المسلمين.
وأضاف الموقع أن أكثر من خمسة وعشرين فائزاً في مختلف المحافظات تربطهم صلات عائلية أو سياسية بالجماعة، بما يمنحها نفوذاً غير مباشر داخل البرلمان الجديد.
دور الأحزاب ومستقبل البرلمان
وفي تعليق على دور الأحزاب السياسية داخل مجلس الشعب القادم، قال الباحث السياسي السوري مصطفى نعيمي لشبكة رووداو الإعلامية: «أعتقد أن الأحزاب لن يكون لها تأثير فعلي على المدى المتوسط أو البعيد، لأن المرحلة الحالية، بوصفها مرحلة تأسيس للدولة السورية، تتطلب تحييد العمل الحزبي إلى حين استكمال بناء الإطار الوطني الجامع».
وأضاف: «بعد ذلك يمكن الشروع بترخيص الأحزاب وطرح برامجها وفق قوانين ناظمة تقرّها اللجان التشريعية المختصة».
وبشأن وصول شخصيات حزبية إلى البرلمان، رأى نعيمي أن طبيعة المرحلة تجعل الانتماءات الحزبية أقل حضوراً، قائلاً: «أي مشاركة لشخصيات ذات خلفيات حزبية ستكون بعيدة عن الولاء الحزبي المباشر، لأن الظروف الحالية تتطلب أطرًا وطنية جامعة أكثر من حاجتها إلى الاستقطاب السياسي التقليدي».
وفي ختام العملية الانتخابية، تتجه الأنظار الآن إلى (قصر الشعب) في دمشق، حيث يُنتظر أن يعلن أحمد الشرع قريباً قائمة الأعضاء السبعين الذين سيعيّنهم في (مجلس الشعب)، تمهيداً لعقد أولى جلساته، التي قد تُعقد في الثامن من يونيو (حزيران)، وفق تسريبات نقلتها وسائل إعلام عن مصادر خاصة لم تكشف عن هويتها.
.jpg&w=3840&q=75)