لم تكن
الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026 مجرد
منافسة انتخابية لتجديد مقاعد الكونغرس، فقد حملت نتائجها دلالات سياسية تتجاوز
حدود الصراع الحزبي الداخلي، خصوصاً بعد نجاح الحزب الديمقراطي في انتزاع الأغلبية
في مجلسي النواب والشيوخ من الحزب الجمهوري، في تحول انتخابي كبير يضع إدارة
الرئيس دونالد ترمب أمام واقع سياسي مختلف خلال النصف الثاني من ولايته الرئاسية.
تكتسب هذه
النتيجة أهميتها من طبيعة النظام السياسي الأميركي، حيث تتوزع الصلاحيات بين البيت
الأبيض والكونغرس والمؤسسات القضائية. ومع انتقال الأغلبية التشريعية إلى الديمقراطيين،
ستدخل الإدارة الأميركية مرحلة جديدة من التوازنات السياسية، يصبح فيها تمرير
القوانين والميزانيات والتعيينات أكثر ارتباطاً بالتفاوض مع المعارضة.
وجاءت هذه
النتائج في ظل استياء قطاعات واسعة من الناخبين الأميركيين بسبب ارتفاع تكاليف
المعيشة والحرب مع إيران ومخاوف الفساد، وهي عوامل حضرت بقوة في النقاش الانتخابي،
وفقاً للتغطيات الأميركية للنتائج.
لكن السؤال
الأهم يتجاوز مستقبل ترمب السياسي إلى طبيعة الدور الأميركي في الشرق الأوسط: هل
ستؤدي هذه النتائج إلى مراجعة السياسة الأميركية في المنطقة؟ وهل نحن أمام تحول في
الاستراتيجية الأميركية أم مجرد تغير في أسلوب إدارة الملفات القائمة؟
الكونغرس
الجديد وحدود سلطة ترمب
سيحتفظ
دونالد ترمب بصلاحياته الدستورية رئيساً للولايات المتحدة حتى كانون الثاني 2029،
وستبقى إدارة السياسة الخارجية والعلاقات الدبلوماسية والقرارات التنفيذية
العسكرية ضمن صلاحيات الرئاسة، وفق الضوابط الدستورية والقانونية.
مع ذلك، فإن
سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس تمنحهم أدوات مؤثرة في مواجهة الإدارة.
يستطيعون فتح تحقيقات بشأن قرارات البيت الأبيض، واستدعاء المسؤولين للاستجواب،
ومراجعة الإنفاق العسكري، والتأثير في الميزانيات والتعيينات الحكومية.
وتبرز أهمية
مجلس الشيوخ بصورة خاصة، باعتباره الجهة المسؤولة عن المصادقة على التعيينات
الرئاسية العليا والمعاهدات الدولية. أما مجلس النواب فيمتلك دوراً أساسياً في
التشريع والإنفاق وإطلاق إجراءات العزل.
هذه
الصلاحيات لا تعني أن الديمقراطيين يستطيعون فرض برنامجهم السياسي على الرئيس،
لكنها تمنحهم القدرة على تعطيل بعض توجهاته أو تعديلها أو رفع كلفتها السياسية والمؤسسية.
ومن المتوقع
أن يكون العامان المقبلان مرحلة من التجاذب بين البيت الأبيض والكونغرس، خصوصاً أن
ترمب أعلن بالفعل عزمه استخدام حق النقض الرئاسي ضد التشريعات التي يعارضها.
إيران..
الملف الأكثر ارتباطاً بنتائج الانتخابات
يبدو الملف
الإيراني من أكثر الملفات الشرق أوسطية قابلية للتأثر بالتوازنات الجديدة داخل
الكونغرس، خصوصاً في ظل الحرب الأميركية الإيرانية وتداعياتها الاقتصادية
والعسكرية.
فقد كانت
الحرب مع إيران من العوامل التي أثرت في المزاج الانتخابي الأمبركي، إلى جانب
القضايا الاقتصادية الداخلية. ومن المتوقع أن يستخدم الديمقراطيون صلاحياتهم
الرقابية والمالية لمراجعة الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب، والضغط باتجاه إخضاع
القرارات العسكرية لمزيد من الرقابة التشريعية.
لكن ذلك لا
يعني بالضرورة نهاية المواجهة مع طهران أو عودة واشنطن إلى سياسة الانفتاح. فهناك
اختلافات داخل الحزب الديمقراطي نفسه بشأن البرنامج النووي الإيراني والعقوبات
والأمن الإسرائيلي والنفوذ الإيراني الإقليمي.
وقد نشهد
تغيراً في طريقة إدارة المواجهة، وزيادة الضغوط باتجاه الحلول الدبلوماسية أو الحد
من العمليات العسكرية، دون أن يعني ذلك تخلي الولايات المتحدة عن أهدافها الأمنية
في المنطقة.
كما أن
استمرار الحرب وتكاليفها قد يدفعان الإدارة إلى البحث عن تسوية سياسية، خصوصاً إذا
أصبح الكونغرس الجديد أكثر تشدداً في مراقبة الإنفاق العسكري والقرارات المتعلقة
باستخدام القوة.
إسرائيل..
تغير في النقاش أكثر من تغير فوري في التحالف
تمثل العلاقة
الأميركية الإسرائيلية أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية الأميركية.
وعلى الرغم من استمرار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، فقد شهدت السنوات
الأخيرة تغيراً ملحوظاً في النقاش داخل الحزب الديمقراطي بشأن المساعدات العسكرية
الأميركية لإسرائيل، خصوصاً على خلفية الحرب في غزة والعمليات العسكرية
الإسرائيلية في المنطقة.
وقد ظهرت
داخل الحزب أصوات تطالب بفرض شروط على المساعدات العسكرية، ومراجعة تصدير بعض
أنواع الأسلحة، وربط الدعم الأميركي بمدى الالتزام بالقانون الدولي وحماية
المدنيين.
امتلاك
الديمقراطيين الأغلبية في المجلسين يمنح هذه التوجهات مساحة أكبر للتحول إلى
نقاشات تشريعية ورقابية. ومع ذلك، فإن تحويلها إلى قرارات ملزمة سيظل مرتبطاً
بالتوافقات داخل الحزب نفسه، وبموقف الإدارة الرئاسية والقدرة على تجاوز الفيتو الرئاسي
عند الحاجة.
لذلك، من
المبكر الحديث عن انقلاب في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، لكن من الممكن أن
تتغير طبيعة النقاش السياسي وشروط الدعم وحدود المساندة العسكرية.
سوريا والكورد..
مرحلة ما بعد اندماج قوات سوريا الديمقراطية
تختلف قراءة
نتائج الانتخابات الأميركية بالنسبة إلى الملف السوري عن السنوات السابقة، فقد
شهدت سوريا تحولاً مهماً بعد الاتفاقات التي أفضت إلى اندماج قوات سوريا
الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، وانتهاء وجود
قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة في آب 2026، عقب إعلان مظلوم عبدي
اكتمال عملية الاندماج العسكري والأمني والإداري.
وبذلك انتقل
مركز الثقل في القضية الكوردية من مستقبل القوة العسكرية المستقلة إلى مستقبل
الحقوق السياسية والقومية للكورد، وطبيعة مشاركتهم في مؤسسات الدولة الجديدة، ومدى
الالتزام بالتفاهمات المتعلقة بالإدارة المحلية والحقوق الثقافية واللغوية
والضمانات الأمنية.


