مقدمة
خلال السنوات العشر الماضية (2017-2026)، أقر العراق الموازنة لست سنوات فقط، بينما أدار شؤونه لأربع سنوات دون قانون موازنة في أعوام: 2020، 2022، 2025 (التي لم تُقر جداولها)، و2026. في هذه السنوات، اعتمدت الحكومة على قاعدة "الصرف بنسبة 1/12" المنصوص عليها في المادة 13 من قانون الإدارة المالية الاتحادي.
أعدت الحكومة الاتحادية الآن مسودة قانون موازنة 2027، التي تتألف من 31 مادة، بإجمالي نفقات 217.2 تريليون دينار، وإيرادات 174.2 تريليون دينار، وعجز مخطط له يبلغ 43.0 تريليون دينار، مما يجعلها أضخم موازنة مقترحة في تاريخ البلاد.
في هذا التقرير، ومن خلال قراءة أرقام مسودة 2027، وقانون موازنة 2023، وتقارير وزارة المالية الختامية للأعوام 2023 إلى 2025، سنسعى للإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية:
1. هل أُعدت مسودة 2027 وفقاً لقانون الإدارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019 وتلتزم بقواعده؟
2. إلى أي مدى تتطابق الأرقام الواردة في قانون الموازنة مع الإيرادات والنفقات الفعلية لوزارة المالية؟
3. ما الذي تغير في الفقرات المتعلقة بإقليم كوردستان في مسودة 2027 مقارنة بقانون 2023، وما هي المخاطر المترتبة عليها؟
مسودة 2027 وقانون الإدارة المالية
ظاهرياً، تبدو مسودة 2027 موازنة جديدة، لكنها في جوهرها تكرار لموازنات السنوات السابقة. فما يسمى بـ"موازنة البرامج والأداء"، التي خُصص لها 41.9 تريليون دينار، يذهب 90% منها (37.7 تريليون دينار) إلى وزارة الكهرباء، مما يعني أنها في الواقع نفقات للكهرباء تحت مسمى آخر.
أما النفقات الاستثمارية، فقد خُصص لها 34.4 تريليون دينار، معظمها لتغطية التزامات سابقة: 10.0 تريليونات لجولات التراخيص (مدفوعات الشركات النفطية)، 4.2 تريليونات للاتفاقية الصينية، 3.2 تريليون لتنمية الأقاليم، 2.7 تريليون للقروض الخارجية، و1.5 تريليون للبترودولار.
في المسودة، خُصصت المادة الأولى للإيرادات، حيث قدرت بمبلغ 174.2 تريليون دينار، منها 127 تريليوناً من صادرات النفط عبر شركة "سومو"، 17 تريليوناً من مبيعات النفط للمصافي، و30.2 تريليوناً من الإيرادات غير النفطية والمعدنية. هذا يعني أن النفط يشكل 82.7% من الإيرادات، بينما تشكل الإيرادات غير النفطية 17.3%. ولتحقيق ذلك، يجب على "سومو" تصدير 4 ملايين برميل يومياً (منها 400 ألف من إقليم كوردستان) بسعر 58 دولاراً للبرميل، ولكن يبقى السؤال: هل يمكن تصدير هذه الكمية وهل سيبقى سعر البرميل عند هذا المستوى؟
في الواقع، كُتبت المسودة ضمن إطار قانون 6 لسنة 2019، لكنها انحرفت عن قواعد رئيسية. فالمادة 6 (فقرة 4) من القانون تحدد نسبة العجز بـ 3% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن المادة 30 من المسودة تستثني نفسها من هذا الشرط، حيث يتجاوز العجز المقترح ستة أضعاف هذه النسبة.

أرقام قانون الموازنة مقابل أرقام وزارة المالية
يمثل قانون الموازنة في العراق وضع أرقام تقديرية للنفقات والإيرادات أكثر من كونه خطة فعلية. فالنفقات التشغيلية (رواتب، تقاعد، رعاية اجتماعية) تُصرف سنوياً سواء وُجد قانون موازنة أم لا. ما يتغير هو الإنفاق الاستثماري، الذي يكون أول ما يتم تقليصه عند نقص السيولة.
مثال واضح هو قانون موازنة 2023، الذي حدد إجمالي النفقات بـ 198.9 تريليون دينار، لكن التقرير الختامي لوزارة المالية أظهر أن الإنفاق الفعلي بلغ 142.4 تريليون دينار فقط، أي 71.6% من المخطط له. كما بلغ العجز الفعلي 6.8 تريليون دينار فقط، بينما كان الإنفاق الاستثماري 24.2 تريليون دينار، أي أقل بنسبة 49% من المبلغ المخطط له.
تعكس هذه الأرقام حالة من عدم الاستقرار الكبير، سواء في الإنفاق الذي تتحكم فيه الحكومة، أو في الإيرادات التي تتأثر بعوامل خارجية.

حصة إقليم كوردستان.. مقارنة بين 2023 و2027
ظلت حصة إقليم كوردستان ثابتة اسمياً عند 12.67% منذ عام 2015، لكن المبلغ الفعلي يتحدد بآليتين: أولاً، تُحتسب النسبة بعد استقطاع النفقات السيادية؛ ثانياً، تُحسب من "الإنفاق الفعلي" وليس من المبالغ المخصصة في الموازنة. لهذا السبب، تحولت حصة الإقليم عملياً إلى مجرد تمويل للرواتب.
التغيير الأكبر في مسودة 2027 بالنسبة لإقليم كوردستان لا يكمن في الأرقام، بل في فقرتين جديدتين خطيرتين:
المادة 10 (ثالثاً/هـ): تُلزم حكومة إقليم كوردستان بتسليم الغاز الفائض عن حاجتها إلى الحكومة الاتحادية. وفي حال عدم التسليم، تُخصم قيمته من حصة الإقليم بناءً على بيانات شهرية من وزارة الثروات الطبيعية، تصادق عليها وزارة النفط الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي.
المادة 10 (ثالثاً/و): تحظر على حكومة إقليم كوردستان إبرام أي عقود نفط وغاز إلا عن طريق وزارة النفط الاتحادية.
لم تكن أي من هاتين الفقرتين موجودة في قانون موازنة 2023. وبهذا، يدخل الغاز لأول مرة في قانون الموازنة كعامل إضافي لقطع حصة الإقليم، في وقت أصبحت فيه الحصة مقتصرة على الرواتب فقط. وهذا يشكل خطراً كبيراً على إقليم كوردستان، فأي خلاف حول تعريف "الغاز الفائض" أو البيانات الشهرية سيؤثر مباشرة على المبالغ المرسلة إلى الإقليم.

خاتمة
قانون الموازنة في العراق هو روتين سنوي أكثر من كونه التزاماً مؤسسياً مخططاً له. فالقرار النهائي بشأن كيفية إنفاق الأموال يبقى في يد السلطة التنفيذية، ممثلة بوزير المالية ورئيس الوزراء، أكثر من كونه بيد السلطة التشريعية.
في ديسمبر 2027، سيتضح ما إذا كان العراق قد تمكن من إنفاق 217 تريليون دينار أم لا، ومن الذي يقرر أي جزء من هذا المبلغ يُنفق. لكن تجربة 2023-2025 تُظهر أن الرواتب والنفقات الأمنية هي التي تُحمى، بينما تكون النفقات الاستثمارية وحصة إقليم كوردستان أول ما يتم التضحية به عند الضرورة.
المصادر:
قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019، الوقائع العراقية عدد 4550 (5/8/2019).
قانون الموازنة العامة الاتحادية رقم 13 لسنة 2023، الوقائع العراقية عدد 4726 (26/6/2023).
مسودة قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027.
وزارة المالية الاتحادية، دائرة المحاسبة، قسم التوحيد: تقارير الحسابات الختامية للدولة حتى 31 كانون الأول للأعوام 2023، 2024، و2025.
وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كوردستان: بيان كانون الثاني 2025 بخصوص رواتب 2024.
حكومة إقليم كوردستان، دائرة الإعلام والمعلومات: تقارير الشفافية وحصة إقليم كوردستان في الموازنة.
حكومة إقليم كوردستان: التقرير التحليلي الرسمي حول التعداد السكاني (أيلول 2026).
حكومة إقليم كوردستان: كلمة رئيس الحكومة حول موازنة 2027 (6/10/2026).
وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كوردستان: بيان كانون الثاني 2025 بخصوص رواتب 2024.



