في تظاهرات العراق يوم أمس لم تكن
كلمات المتظاهرين مجرد شعارات تقال، بل صرخات تختصر وجع شعب أنهكته الأزمات رغم
الثروات الهائلة التي يمتلكها بلده. أحد المتظاهرين قال بحرقة: أني محد احتضني لا
أهلي ولا وطني وشبر ما أملك بهالبلد. ومتظاهر أخر عبر عن غضبه قائلاً: بس خلي تطلع
إيران من العراق خلي دولار تصير بمليار. أما العبارة الثالثة فكانت أكثر وجعاً:
افتحوا الهجرة ما يبقى ولا شاب بالعراق.
ثلاث صرخات مختلفة لكنها تلتقي
عند حقيقة واحدة: مواطنون يشعرون بأنهم لا يحصلون على نصيب عادل من ثروات بلدهم
وأن المستقبل أصبح بعيدا عن أحلامهم. وهنا يبرز السؤال: كيف لبلد يمتلك هذه الثروة
النفطية الهائلة أن يصل بعض أبنائه إلى مرحلة يتمنون فيها الهجرة ويشعرون بأنهم لا
يملكون مكانا في وطنهم؟.
أين ذهبت مليارات النفط؟
منذ عام 2003 تعاقبت الحكومات
وتغيرت الوجوه والمناصب وارتفعت الموازنات العامة إلى مستويات ضخمة وأعلنت مشاريع
بمليارات الدولارات تحت عناوين الإعمار والتنمية وتحسين الخدمات لكن المواطن مازال
يسأل: أين نتائج كل هذه الأموال؟ أين الكهرباء المستقرة؟ أين المياه النظيفة
وشبكات الصرف الصحي؟ أين المستشفيات والمدارس المتكاملة؟ وأين الاقتصاد الذي يمنح
الشباب فرص عمل حقيقية بدلاً من انتظار التعيين الحكومي؟ لا يمكن إنكار أن العراق
شهد بناء طرق ومبان ومشاريع جديدة، لكن الإنجاز لا يقاس بعدد المباني بل بجودة
الخدمات التي تقدمها فما قيمة مبنى جديد إذا كانت الخدمات الأساسية غائبة؟ وما
فائدة تخصيص مليارات للكهرباء إذا ظل المواطن يعاني نقصها؟ وما جدوى مشاريع المياه
إذا بقيت بعض العائلات تدفع من جيوبها للحصول على مياه صالحة للاستخدام؟ الدولة لا
تقاس بما تعلنه من مشاريع بل بما يلمسه المواطن من نتائج في حياته اليومية.
الفقر والبطالة في بلد غني
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن
نسبة الفقر في العراق بلغت 17.5% عام 2023، فيما قدر معدل البطالة بنحو 15.5% عام
2025 وفق تقديرات منظمة العمل الدولية. وراء هذه الأرقام خريجون لا يجدون وظائف
وشباب يعجزون عن تأسيس أسر وعائلات تكافح لتغطية احتياجاتها الأساسية المشكلة ليست
في نقص الثروات بل في ضعف تحويل هذه الثروات إلى اقتصاد منتج يوفر فرص العمل
والاستقرار وحين يقول أحد المتظاهرين: افتحوا الهجرة إذا بقى شاب بالعراق شتريدون
أني حاضر فإن كلامه يكشف أزمة تتجاوز البطالة، بل إنها أزمة ثقة بالمستقبل.
فبدلاً من أن يتنافس الشباب على
بناء وطنهم أصبح بعضهم يفكر في مغادرته بحثاً عن فرصة وحياة أفضل وهذه خسارة
للعراق قبل أن تكون خسارة للشاب نفسه، لأن البلاد التي تخسر طاقات شبابها وتخسر
جزءاً من قدرتها على النهوض ومن حق العراقيين أن يعرفوا أين ذهبت الأموال التي
خصصت للمشاريع والخدمات، ولماذا تعثرت مشاريع وارتفعت كلف أخرى ولم تتحقق النتائج
التي وعد بها المواطنون، فالفساد لا يعني فقط سرقة المال العام بل يعني أيضاً
مستشفى لا يقدم خدمات كافية وطريقاً يتلف سريعاً ومشروعاً يبقى سنوات دون إنجاز وفرصة
عمل تضيع بسبب المحسوبية، وكل مبلغ يهدر هو فرصة ضائعة لتحسين حياة العراقيين،
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا تكون بالتصريحات أو باستهداف صغار الموظفين وحدهم، بل
بتحقيقات مستقلة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته مهما كان منصبه أو انتماؤه السياسي وإذا
كانت الحكومات واثقة من سلامة إدارتها للمال العام فلماذا لا تكشف حسابات المشاريع
وكلفها ونتائج التدقيق أمام المواطنين؟.
العراق مديون.. فمن يتحمل
المسؤولية؟
دخل العراق مرحلة ما بعد 2003 وهو
يحمل ديوناً خارجية ضخمة موروثة من النظام السابق ولذلك ليس دقيقاً القول إن جميع
ديونه الحالية نشأت بعد ذلك العام، لكن الحكومات المتعاقبة تتحمل مسؤولية توضيح
كيفية إدارة المال العام وتطور الدين والنتائج التي تحققت مقابل الإنفاق والاقتراض
والسؤال ليس عن حجم الديون وحده بل عن مصير الأموال: ما المشاريع التي مولتها؟ وما
العائد الاقتصادي منها؟ ولماذا لاتزال الدولة تواجه تحديات كبيرة في الخدمات وفرص
العمل وتنويع مصادر الدخل؟ لا يجوز أن يتحمل المواطن نتائج قرارات مالية لا يعرف
تفاصيلها بينما تظل الإجابات عن كلفة المشاريع ومصير الأموال غير واضحة.
السيادة والدولار.. ماذا يريد
المواطن؟
حين يقول متظاهر: بس خلي تطلع
إيران من العراق خلي دولار تصير بمليار، فهو يربط بين النفوذ الخارجي والأزمة
الاقتصادية إنها صرخة تعكس غضباً من شعور بأن القرار العراقي ليس مستقلاً بالقدر
المطلوب لكن اقتصادياً لا يعني خروج أي دولة أجنبية أن الدولار سينخفض تلقائياً
فسعر الصرف يتأثر بالسياسة النقدية والطلب على العملة الأجنبية والتجارة والثقة
بالمؤسسات والاستقرار السياسي، العراق يحتاج إلى قرار مستقل، ومؤسسات قوية،
وعلاقات خارجية تدار وفق مصالح شعبه، واقتصاد لا يبقى رهينة النفط والصراعات
الإقليمية والسؤال الذي لن يسكت عنه العراقيون بعد أكثر من عقدين على عام 2003 لم
يعد المواطن يريد وعوداً جديدة بقدر ما يريد إجابات واضحة ونتائج ملموسة، أين ذهبت
أموال العراقيين؟ كم صرف على الكهرباء والمياه والصحة والتعليم؟ لماذا تعطلت
مشاريع؟ ومن حوسب على الفساد وهدر المال العام؟.
هذه ليست أسئلة سياسية عابثة بل
حق للمواطن الذي يفترض أن تدار ثروات بلاده لمصلحته وإن صرخات المتظاهرين اليوم من
الشاب الذي يشعر بأن وطنه لم يحتضنه، إلى من يربط الأزمة بالنفوذ الخارجي وصولاً
إلى من يطالب بفتح أبواب الهجرة، يجب أن تكون إنذاراً للطبقة السياسية، فالعراق لا
تنقصه الثروات، بل يحتاج إلى إدارة رشيدة ومحاسبة حقيقية واقتصاد يمنح أبناءه فرصة
للحياة بكرامة، فما قيمة وطن يملك النفط والمليارات، بينما يحلم شبابه بالهجرة،
ويظل مواطنوه يسألون: أين ذهبت أموالنا؟.



