منذ عقود مضت، ليس اليوم أو مع
بدء الحرب السورية أو بعد ظهور القوى الكوردية السياسية، والقضية الكوردية في كوردستان
سوريا تُشيطَن، تلك النظرة الأمنية والسياسية للسلطات في دمشق تنطوي على السرديات
والخطابات السياسية والرسمية المرتبطة بالوجود الكوردي، والتي تحمل دلالات مضمرة
ورسائل غير مباشرة عن مصير القضية الكوردية والاعتراف بها دستوريا كما يطالب بها
الكورد.
فمجرد الحديث عن مسألة الحقوق أو
اللامركزية السياسية (على سبيل المثال)، يُتهم الكورد بالانفصاليين وبأصحاب مشاريع
التقسيم، ما عزز فكرة السردية النمطية، على امتداد التاريخ السوري، للتصدي للصوت
الكوردي حين يطالب بحقوقه بدلاً من التعامل معه كشعب أصيل على أرضه التاريخية،
والدفع به حتى الاستقرار واستعادة الحقوق المسلوبة وضمانها في غرب كوردستان.
في ذات السياق، لايزال الحديث
يُدفع باتجاه النوايا لا الحقوق، وبالدفاع عن وحدة الأراضي السورية لا الاعتراف
الدستوري وبصورة مباشرة بمطالب وحقوق الكورد، ما يعني أنهم حولوا (السلطة
والموالين لها وأيضاً الفئة المعادية للقضية الكوردية بشكل عام) القضية الكوردية،
على عكس ما يروجون له، إلى مسألة معقدة وحرجة ومثيرة للجدل ومحركاً للتفكيك،
باعتبارها مساساً بسيادة الدولة وعامل تقويض لاستقرارها ولسلامة الهيكل العام
ومبعثا للتجزئة والتفتيت الداخلي، عبر اختزالها بطرف سياسي أو عسكري معين وتجاهلهم
لها بأنها قضية شعب بأكمله لاتزال موضع نزاع وجدل بالنسبة لهم، وهنا يطفو السؤال
الجوهري على السطح: هل نحن أمام إعادة إنتاج لخطاب الشيطنة ولكن بأدوات جديدة
ومغايرة في ظل التحولات السياسية والعسكرية على الأرض سيما بعد عملية الاندماج بين
دمشق وقوات سوريا الديمقراطية؟.
بدون أدنى شك، كانت السياسة
السورية تتبع أساليب معينة بين كل مرحلة وأخرى لتأطير القضية الكوردية، وإحداها
تتمحور حول مسألة الاعتراف الدستوري بالقضية الكوردية بوصفها تهديد مباشر لوحدة
سوريا.
إن استعادة المسار التاريخي
لشيطنة القضية الكوردية في كوردستان سوريا وجذورها الممتدة لأكثر من قرن من الزمن
وقراءتها، لا يعني اختزال ما تم بحق الكورد في صورة واحدة فقط، فالسياقات شهدت
تحولات جذرية بمرور الوقت رفقة تغيير في الأذرع وآليات الضغط إلى الخطاب المتبدل
تجاههم، بدءاً من إنكار تام لهويتهم لتفضي في النهاية إلى ربط الحديث عن القضية
الكوردية ومطالبها الدستورية والسياسية بالنزعة الانفصالية التي تسعى لتثبيت
سيناريوهات التقسيم، ما يعني أنهم تعاملوا مع القضية الكوردية ضمن منظور أمني
وقومي ضيق واصفين إياها ملفا عالي الخطورة، دون النظر إليها كقضية اعتراف بالهوية
والحقوق.
على صعيد متصل، في عام 1957 طالب
الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا اعترافاً بحقوق الشعب الكوردي وترسيخ
الديمقراطية بمنأى عن أية مطالبة بحق تقرير المصير أو أي استقلال سياسي وفك
الارتباط عن دمشق، وبعدها في عام 1960 دشنت الأجهزة الأمنية في الدولة السورية
هجمة سياسية وأمنية شرسة للتضييق على الفاعلين الكورد وتطويق حراكهم السياسي عبر
ملاحقتهم بشكل ممنهج واعتقال عدد من قيادات الحزب والمئات من أنصاره، تلاه بعد ذلك
ومنذ عام 1958 حظراً للتداول اللغوي الكوردي وتحجيم حضوره وتجريم التحدث أو
الكتابة بها، في رسالة واضحة لطمس الهوية اللغوية الكوردية، وهذا ما يمكن أن نطلق
عليه بداية شيطنة القضية الكوردية في سوريا.
بالتوازي مع ذات المسار، في عام
1962 برزت الحقبة الأكثر إيلاماً بحق الكورد، صدر في آب المرسوم التشريعي رقم (93)
الخاص بإجراء الإحصاء السكاني في محافظة الحسكة في كوردستان سوريا، الذي نفذ في
يوم الخامس من الشهر ذاته، ما أدى إلى تجريد عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية
السورية، صنفت نسبة منهم ضمن فئة الأجانب وأخرى تحت مسمى مكتومي القيد، وتجاوزت
تبعات القرار لحظاته التاريخية لتلقي بظلالها الواسعة وتتحول إلى واقع بنيوي مستمر
لعقود، صودرت خلاله حقوق المتضررين كالتعليم، والمشاركة السياسية، والعمل في هياكل
الدولة، والتسجيل العقاري والسفر، وهنا ربما اتخذت الشيطنة وجها آخر ذات طابع
قانوني.
فضلاً عن ما قام به المسؤول
الأمني في الحسكة محد طلب هلال عام 1963 من طرحه تصوراً استراتيجياً على هيئة
"مشروع رؤية" للسلطات في دمشق وقتذاك؛ فقد عرض خططاً وسيناريوهات حول
كيفية التعاطي مع القضية الكوردي أو الوجود الكوردي في المناطق الكوردية لاسيما
الجزيرة، وسرعان ما طفى على السطح بفترة زمنية ليست ببعيدة مشروع "الحزام
العربي" الذي يمس في جوهره تغييراً ديموغرافياً في المناطق الكوردية في كوردستان
سوريا بما فيه الجنسية والانتماء القومي بما يسمى إعادة تشكيل الخارطة السكانية أو
الهندسة الديموغرافية؛ حيث انتهاج سياسة التعريب عبر التهجير القسري للمواطنين
الكورد من مناطقهم واقتلاعهم من أراضيهم الأصلية التاريخية، وتوطين عرب المناطق
الأخرى ومعظمهم من مغموري الرقة ضمن إطار الانتهاكات الديموغرافية الممنهجة من قبل
نظام البعث العفلقي، وهنا تجلت الشيطنة في وصم الحضور الكوردي بالخلل الديموغرافي
وهاجس أمني داهم عابر للسياسات.
وفي مرحلة لاحقة، عام 1986 التي
شكلت المحطة الأشد قسوة في تاريخ الكورد في سوريا آنذاك، المتمثلة بسياسات القمع
واستراتيجبات الصهر القومي والإقصاء الهوياتي، من خلال استهداف التجمعات
الاحتفالية ذات الطابع الكوردي (عيد نوروز في دمشق في العام ذاته) بالرصاص
المباشر، ما أسفر عن مقتل أحد الشباب الكورد باسم سليمان آدي. وتبدت معالم الشيطنة
في هذا السياق عبر قمع أي تعبير علني عن هوية الكورد ووصفه تهديداً سياسياً لهوية
سوريا الرسمية وتحدياً لخطابها القومي.
وبمرور السنوات، تبلورت عام 1992
مجدداً حالة الاعتقالات بحق الشباب الكورد من قبل أجهزة الأمن السورية أثناء إحياء
الذكرى الثلاثين للإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة، وتعرض المعتقلين، الذين
تجاوز عددهم ربما الـ 200 معتقل لكافة أشكال التعذيب، وفي عام 1995 استمرت حملة
الاعتقالات لاسيما بعد إصدارها قرارات حظر الاحتفال بالعيد القومي لدى الكورد
(نوروز أو نيروز)، واتخذت شيطنة القضية الكوردية طابعاً أمنياً مباشراً عبر توسيع
نطاق التعامل الأمني المستبد وملاحقة الحراك والنشاطات السياسية، لتطال مجالات
التعبير عن الانتماء الكوردي والخصوصية القومية والثقافية.
وهنا تنقلنا الشيطنة إلى مستوى
أعمق وأشد إكراهاً وبطشاً؛ فقد برزت أحداث انتفاضة قامشلو (مجزرة قامشلو) في 12
آذار 2004 لتظهر مدى الاختناق السياسي والتوتر البنيوي عبر مباراة كرة القدم بين
نادي الجهاد من قامشلو نادي الفتوة من ديرالزور؛ حيث المشاحنات والشعارات السياسية
والقومية ضد النادي والجمهور الكوردي، بدعم من قوات المخابرات السورية والأجهزة
الأمنية واستخدامها للرصاص الحي ضد الكورد داخل أرضية الملعب، أسفر عن وقوع قتلى
وجرحى.
وفي اليوم التالي اندلعت احتجاجات
عارمة امتدت لتشمل باقي المناطق الكوردية في كوردستان سوريا (عامودا، الدرباسية،
سري كانيه، كوباني وعفرين) انتهاء بحلب ودمشق ضمن الأحياء الكوردية، وكان للسلطات
رد قمعي مباشر أمني وعسكري واسع المدى. مشهد الشيطنة الذي تمثل بالاستراتيجية
الإعلامية والسياسية التي خرج بها النظام والتأثير في الرأي العام وتعزيز فكرة (الكورد
دعاة انفصال وتخريب لا شركاء).
ومع بدء الثورة السورية 2011،
شهدت القضية الكوردية تحولات على المستويات العسكرية والإدارية والسياسية، وفي هذا
المفصل البنيوي أعيد إنتاج الشيطنة بآليات مختلفة وأشد خطورة وبطور أعمق؛ عبر
تقزيمها وتضييق نطاقها في لون سياسي أو كينونة تسليحية محددة لاسيما حزب العمال
الكوردستاني تارة، وتارة أخرى قوات سوريا الديمقراطية. كما أن الشيطنة امتدت لتشمل
النظر إلى مطالب الكورد نظرة تهديد حقيقي لسوريا؛ فقد صوِّر الطرح اللامركزي كقناع
للانفصال، والمطالبة بدسترة الحقوق القومية والثقافية واللغوية والسياسية بمثابة
شماعة للتجزئة، وتوظيف الانفتاح الدبلوماسي الكوردي خصوصاً مع الأطراف الخارجية
لسلب القضية طابعها الأصيل.
أما بعد 8 كانون الأول عام 2024
وبعد سقوط نظام الأسدين، ربما اللغة تغيرت لدرجة ما لكن أدوات الشيطنة تعاد
صياغتها بصورة مستحدثة، حيث باتت المطالب الكوردية واضحة لا سيما تلك المتعلقة
بالضمانات الدستورية واللامركزية، إلا أن السلطة الانتقالية في دمشق تحاول جاهدة
إرجاع تلك المركزية المقيتة عبر تفسيرها لطرح اللامركزية برهاناً ساطعاً على
التفكيك الجغرافي بل وتجسيداً لإرهاصات التفتيت، قراءة القضية الكوردية عبر قسد (وهذه
كانت الآلية الأكثر نفاذاً وتدميراً وأعتى ميكانيزمات الإقصاء)، وتصوير مناقشة
الحقوق الكوردية ضمن الأطر القانونية والدستورية مبعث قلق استراتيجي وسياسي يهدد وحدة
الدولة السورية المزمع بناءها في خضم المرحلة الانتقالية الراهنة، وأمننة القضية
الكوردية.
في كوردستان سوريا، مشكلة القضية
الكوردية تاريخية ولا ترتبط بحقوق الشعب الكوردي والمطالبة بها فحسب، بل بالقالب
الذي صمم لها وكيفية هندستها وفقاً لرؤية السلطات الحاكمة، واليوم، سوريا أمام
أعتى التحديات والاختبارات الأشد حرجاً في تاريخها، فهل ستتجاوز السلطة الانتقالية
إرث شيطنة القضية الكوردية، أم أنه سيتجلى بثوب أكثر ضراوة؟.



