كان الخليج سهلاً عامراً قبل أن
يستقر الخليج في صورته البحرية القريبة من الحاضر قبل نحو ستة آلاف سنة، بعد
ارتفاع مستوى المحيطات وغمر السهل النهري الذي كان يمتد بين جنوب العراق ومضيق
هرمز.
وعلى ضفتيه نشأت الموانئ، وتحركت
السفن، وانتقلت المعادن والأخشاب واللؤلؤ والحبوب بين بلاد الرافدين ودلمون ومَگان
ووادي السند.
ومنذ ذلك الزمن أصبح الخليج ممراً
بين حضارات متعددة وحملت أسماؤه المتعاقبة صورة كل مرحلة، واتجاه أهلها إلى البحر
وحدود معرفتهم بالعالم المحيط بهم.
أقدم تسمية مكتوبة وصلتنا جاءت من
حضارات العراق القديم أطلق السومريون عليه "البحر الأسفل"، لأنه يقع في
نهاية مجرى دجلة والفرات في مقابل "البحر الأعلى" الذي مثّل البحر
المتوسط.
واستمرت هذه التسمية في النصوص
الأكدية والبابلية والآشورية بصيغة "تامتو شابليتو"، ثم أضيف إليها
الاتجاه، فأصبح "البحر الأسفل جهة شروق الشمس"، واختُصر أحياناً إلى
"بحر شروق الشمس". وظهرت تسميات أخرى مثل "البحر المر" أو
"مَرّاتو"، و"بحر الكلدانيين"، فضلاً عن "بحر أرض
دلمون" و"بحر مَگان"، بحسب الطريق البحري أو الإقليم الذي يتجه
إليه النص.
وتوثق النصوص المسمارية هذه
الأسماء باعتبارها أوصافاً جغرافية مرتبطة بموقع العراق وحركته التجارية.
ومع اتساع المعرفة الجغرافية في
العصر اليوناني، ظهر اسم "الخليج الفارسي" في مؤلفات الجغرافيين الذين
نظروا إلى المنطقة من خلال الإمبراطورية الفارسية الممتدة على ساحله الشرقي.
وثبّت بطليموس في القرن الثاني
الميلادي التمييز بين "الخليج الفارسي" شرق الجزيرة العربية
و"الخليج العربي" غربها، وكان الاسم الثاني يشير غالباً إلى البحر
الأحمر. وانتقلت تسمية الخليج الفارسي من الجغرافيا اليونانية إلى اللاتينية، ثم
إلى الخرائط الأوروبية، فاكتسبت استمرارية واسعة في المؤلفات والوثائق البحرية
الدولية.
أما الجغرافية العربية والإسلامية
فقد تعاملت مع الخليج كجزءٍ من عالم بحري واسع يصل العراق بالهند وشرقي أفريقيا،
اذ استخدم المسعودي والإصطخري وابن حوقل والمقدسي وغيرهم تسمية "بحر
فارس"، وكان مدلولها عند بعضهم يتجاوز حدود الخليج الحالية ليشمل أجزاء من
بحر عُمان والمحيط الهندي.
وفي مصادر وخرائط أخرى ظهرت أسماء
"بحر البصرة" و"خليج البصرة" و"بحر القطيف"، وقد عكست هذه الأسماء أهمية المدن والموانئ
التي أدارت التجارة والملاحة، مثلما عكست تسمية بحر فارس شهرة الإقليم المعروف
بهذا الاسم في التقسيم الجغرافي القديم.
واصلت الخرائط الأوروبية والوثائق
البحرية خلال القرون اللاحقة استخدام "الخليج الفارسي"، إلى جانب
استعمالات متفرقة للخليج العربي وخليج البصرة وبحر القطيف، وفي القرن العشرين دخل
الاسم مرحلة جديدة، إذ ارتبطت الجغرافيا بصعود الدول الوطنية وتشكّل الهويات
السياسية الحديثة.
الخليج العربي
انتشرت تسمية "الخليج
العربي" منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتزامن انتشارها مع صعود
القومية العربية واستقلال إمارات الخليج، واتساع الخلافات العربية–الإيرانية حول
البحرين وشط العرب والجزر والسيادة الإقليمية.
اكتسب "الخليج العربي"
حضوره من حقيقة جغرافية وبشرية واضحة، تتمثل في امتداد الدول والمجتمعات العربية
على سواحله الغربية والجنوبية والشمالية، ومن ارتباط سكان هذه السواحل بتاريخ طويل
في الملاحة والتجارة وصناعة السفن والغوص على اللؤلؤ.
وفي المقابل استندت إيران إلى
الاستمرارية التاريخية لاسم "الخليج الفارسي" في الجغرافيا اليونانية
والخرائط الدولية.
وهكذا تحول الاسمان إلى تعبيرين
عن الذاكرة والهوية والسيادة وأصبحت المفاضلة بينهما جزءاً من التنافس السياسي في
المنطقة.
الامم المتحدة
تعتمد الأمم المتحدة في وثائقها
الرسمية تسمية "الخليج الفارسي"، بينما تعتمد الدول العربية تسمية
"الخليج العربي" في وثائقها ومناهجها ووسائل إعلامها، وتتعامل الدراسات
المتخصصة في الأسماء الجغرافية مع الاسمين كتسميتين متداولتين لمسطح مائي مشترك،
تحكمهما بيئات لغوية وسياسية مختلفة، وقد أشارت ورقة قُدّمت ضمن أعمال خبراء الأمم
المتحدة للأسماء الجغرافية إلى أن الاسمين يمثلان تسميتين متوازيتين في المياه
المشتركة وأن معالجة أسماء البحار الواقعة بين عدة دول تحتاج إلى التعاون والتفاهم
بين الأطراف المعنية.
جدلية تأريخية
يمنح التاريخ هذه الجدلية إطاراً
أوسع. فقد عاش الخليج زمناً أطول باسم "البحر الأسفل"، وعُرف ببحر
الشروق والبحر المر وبحر دلمون ومَگان والكلدانيين والبصرة والقطيف وفارس، ثم دخل
اسم الخليج العربي إلى الاستعمال الإقليمي الحديث.
وكل تسمية تمثل طبقة من ذاكرة
المكان وتكشف زاوية نظر الحضارة التي استخدمتها من دون أن تتحول إلى وثيقة ملكية
أو حجة سيادة على البحر وسكانه.
ويقوم التصور الأقرب إلى
الموضوعية على احترام مستويات الاستعمال المختلفة: تُذكر الأسماء القديمة في الدراسات
التاريخية ضمن عصورها، ويُستخدم "الخليج العربي" في السياق العربي،
وتُراعى التسمية المعتمدة في المؤسسات الدولية عند التعامل معها، فيما تصلح كلمة
"الخليج" إطاراً مشتركاً في مشروعات التعاون الإقليمي.
كما يمكن إعداد أطلس تاريخي يوثق
جميع التسميات ومواقع ورودها وتحول دلالاتها، ليصبح الاسم مدخلاً إلى فهم التاريخ
بدلاً من بقائه سبباً للصراع حوله.
يبقى الخليج أوسع من الاسم الذي
يحمله في مرحلة واحدة، فقد جمع العراق والجزيرة العربية وإيران والهند في شبكة
واحدة قبل ظهور الحدود الحديثة وصنع تاريخاً شاركت فيه شعوب متعددة.
ومن البحر الأسفل إلى الخليج
العربي، تتغير الأسماء ويبقى المكان شاهداً على حضارات تعاقبت فوق مياهه، وترك كل
منها اسماً يدل عليها ثم مضت وبقي الخليج.
.jpg&w=3840&q=75)


