في وطنٍ كبلاد الرافدين، دفع أبناؤه على مدى عقود أثماناً باهظة بسبب التطرف والتسلط والدكتاتورية والكراهية والتحريض والصراعات القومية والطائفية والدينية، لا يمكننا أن نتعامل مع الدعوة إلى قتل المواطنين أو إيذائهم باعتبارها رأياً عابراً، أو موقفاً سياسياً، أو تعبيراً يمكن تبريره تحت أي عنوان.
وموقفي في هذا الأمر واضح لا يحتمل التأويل:
أي شخص، كائناً من كان، ومهما كان مقامه أو موقعه أو رتبته أو انتماؤه، مدنياً كان أم عسكرياً، سياسياً أم دينياً أم عشائرياً، إذا دعا إلى قتل مواطن أو إيذائه، أو حرّض على استهداف جماعة من أبناء هذا الوطن بسبب دينهم أو قوميتهم أو مذهبهم أو انتمائهم، فيجب أن يكون القضاء هو الفيصل، وأن تطبق بحقه أحكام القانون، متى ثبتت مسؤوليته وبالدليل القانوني القاطع.
فلا دولة مع الإفلات من العقاب، ولا مواطنة مع استباحة دم المواطن، ولا انتماء إلى وطني حقيقي إذا أصبح التحريض على الآخر أمراً مقبولاً أو مسكوتاً عنه.
إن مسؤوليتنا، كرجال دولة ومؤسسات سياسية ومجتمعية، ليست فقط أن ندين العنف بعد وقوعه، بل أن نواجه مقدماته أيضاً. فالقتل لا يبدأ دائماً بالرصاصة؛ قد يبدأ بكلمة تحريض، أو خطاب كراهية، أو منبر يمنح الشرعية لاستهداف الآخر، ثم تتحول الكلمات في لحظة ما إلى أفعال، ويدفع الأبرياء الثمن.
وقد عرف العراق هذه الحقيقة بأقسى صورها.
نحن – المسيحيين - كإخوتنا الإيزديين والكورد والتركمان والشبك والمسلمين بمختلف مذاهبهم، نعرف جيداً ماذا يحدث عندما يُصنَّف الإنسان على أساس هويته، وعندما تتحول لغة الإقصاء إلى ثقافة، والثقافة إلى تحريض، والتحريض إلى سلاح. لقد امتلأت ذاكرة العراق بمآسٍ كان يمكن تجنب الكثير منها لو كانت سلطة القانون أقوى من سلطة الكراهية.
ولهذا فإن حماية السلم المجتمعي ليست مجاملة سياسية، وإنما مسؤولية دستورية وأخلاقية ووطنية.
وقد وضع المشرّع العراقي أحكاماً لمواجهة صور من هذا السلوك؛ فقانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 يتناول في المادة (200) أفعالاً تتصل بإثارة النعرات المذهبية أو الطائفية والتحريض على النزاع بين الطوائف والأجناس وإثارة الكراهية والبغضاء بين سكان العراق. كما تتناول المادة (372) صوراً من الاعتداء العلني على معتقدات الطوائف الدينية ومقدساتها. وتصبح المسؤولية القانونية أشد خطورة عندما يقترن التحريض بأفعال تدخل، وفق ظروف الواقعة وتكييف القضاء، ضمن الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005.
ولكن القضية بالنسبة لي أكبر من نصوص العقوبات وحدها.
إنها قضية شكل الدولة التي نريد نعيش فيها وأن نورثها لأبنائنا وللأجيال القادمة.
نريد دولة يستطيع فيها المسيحي أن يعيش مسيحياً دون خوف، والإيزدي إيزدياً، والمسلم مسلماً، والكوردي والكَلداني والآشوري والسرياني والأرمني والتركماني والعربي والشبكي والكاكائي والمندائي والبهائي وكل مواطن بهويته وخصوصيته، دون أن يشعر بأن وجوده أو حياته يمكن أن يصبحا هدفاً بسبب كلمة تحريض تصدر من صاحب منبر أو نفوذ أو سلاح.
حرية التعبير مصونة، والاختلاف السياسي والفكري حق، وحتى النقد القاسي جزء من الحياة العامة؛ لكن التحريض على قتل الإنسان ليس رأياً، واستباحة دم المواطن ليست حرية تعبير، وبث الكراهية بين مكونات الوطن ليس ممارسة سياسية مشروعة.
ومن موقعي في حكومة إقليم كوردستان، ومن مسؤوليتي السياسية في التحالف المسيحي، أؤمن بأن الدفاع عن حقوق المسيحيين لا ينفصل عن الدفاع عن حق كل مواطن من بلدي في الحياة والكرامة والأمان. فالحق الذي نطالب به لأنفسنا يجب أن ندافع عنه للآخرين أيضاً، وإلا فقد معناه الأخلاقي والوطني.
لذلك لا ينبغي أن تكون هناك خطوط حمراء أمام العدالة بسبب منصب أو رتبة أو حزب أو عشيرة أو صفة دينية أو عسكرية. وفي المقابل، لا يجوز أيضاً توظيف القانون للانتقام أو تصفية الحسابات؛ القضاء المستقل وحده هو من يحقق، والأدلة هي التي تتكلم، والقانون هو الذي يحكم.
هذه هي الدولة التي نريدها:
دولة لا تنتقم، لكنها تحاسب.
لا تقمع الرأي، لكنها تمنع التحريض على الدم.
لا تميز بين مواطنيها، ولا تسمح لأحد بأن يضع نفسه فوق القانون.
لقد دفع الوطن ما يكفي من الدماء بسبب خطاب الكراهية، فالأنفال وسميل وهلبجة وصوريا والدجيل وسيفو تشهد لكلامي هذا.
وحان الوقت أن نرسخ قاعدة وطنية لا استثناء فيها:
من يحرض على الكراهية يجب أن يحاسب، كرامة الإنسان مصونة، ودم المواطن خط أحمر، والقانون فوق الجميع، ولا أحد فوق القانون.


