يعمل البرلمان التركي حالياً على مسودة قانون خاص بحزب العمال الكوردستاني/منظومة المجتمع الكوردستاني، تحت اسم "تعزيز التضامن الوطني والتلاحم المجتمعي"، والذي يمكن اعتباره في الأساس عفواً مشروطاً لجزء من أعضاء حزب العمال الكوردستاني -وليس جميعهم- وذلك بعد اتفاق عبد الله أوجلان وسلطات الدولة التركية عليه. قُدمت مسودة القانون إلى رئاسة البرلمان بتوقيع 360 نائباً؛ وهو العدد الذي حدده دستور البلاد شرطاً بموجب المادة 87، لإعلان أي عفو عام أو خاص. ومن المتوقع إقرار القانون قبل العطلة السنوية للبرلمان، التي تأخرت هذه المرة عن موعدها المحدد. وربما تم أخذ الأهمية الرمزية لشهر آب في الاعتبار، لأن حزب العمال الكوردستاني بدأ الكفاح المسلح في 15 آب 1984، والآن هناك محاولة لتسجيل بداية نهايته بقانون في الشهر ذاته.
وفقاً لمسودة القانون، يبدو أن هذا القانون مخصص فقط لحزب العمال الكوردستاني/منظومة المجتمع الكوردستاني وسيكون مؤقتاً؛ بحيث يمكن لأعضاء الحزب الراغبين في العودة الاستفادة منه في غضون ستة أشهر. لا يهدف القانون إلى جمع الأسلحة فحسب، بل يهدف أيضاً إلى حسم مصير آلاف الأعضاء والمؤيدين لحزب العمال الكوردستاني الذين يعيشون في أوروبا، ومخيم مخمور، وإقليم كوردستان، وروجآفا/سوريا، وداخل السجون. ولتنفيذ القانون، يجب على حزب العمال الكوردستاني/منظومة المجتمع الكوردستاني أولاً أن يحل نفسه عملياً، ثم يسلم الأسلحة والذخائر التي بحوزته.
قد يكون هناك اختلاف في وجهات النظر بين حزب العمال الكوردستاني وتركيا بشأن مفهوم "الحل". فبالنسبة لحزب العمال الكوردستاني، قد يكون الحل مجرد تغيير الشكل من صيغة إلى أخرى، مثل نقل تنظيماته وقدراته إلى حزب سياسي قانوني داخل تركيا. بعد نداء أوجلان في 27 شباط من العام الماضي، قام حزب العمال الكوردستاني بحل نفسه في المؤتمر الثاني عشر بين 5 و7 أيار من العام نفسه. وبعد أكثر من شهرين، وفي خطوة رمزية لدعم نداء أوجلان، أحرق عدداً من أسلحته، وفي تشرين الأول من العام نفسه سحب قواته إلى إقليم كوردستان، والتي يبدو أنها لم تكن بأعداد كبيرة.
بالطبع، ربما يكون القصد من المسودة بـ "التفكيك العملي" من وجهة نظر تركيا، هو تفكيك سلسلة القيادة والقرار الحزبي، وقطع الصلة العضوية بين المؤسسات والأعضاء، والانسحاب الجغرافي الإضافي للأعضاء الذين لن يشملهم القانون، وكذلك القضاء على القدرة القتالية والإعلامية والمالية، والتي يلعب فيها كل من السلاح والجغرافيا ومكان التواجد دوراً رئيسياً. في هذا الإطار، يُطرح أولاً موضوع عودة أعضاء حزب العمال الكوردستاني من أوروبا؛ ومن جانبه، أعلن رمزي كارتال، وهو أحد قادة التنظيم، أنهم سيعودون إذا طلب أوجلان ذلك. ومن الواضح أن عودة أعضاء حزب العمال الكوردستاني من أوروبا ليست عودة عادية؛ فعودة تنظيمات الحزب في أوروبا على أساس فردي، تعني نقل مصدر مهم للموارد المالية والبشرية والإعلامية للتنظيم من أوروبا إلى أي حزب قانوني افتراضي داخل تركيا.
في الوقت نفسه، فإن عودة سكان مخيم مخمور وما يقرب من 1500 إلى 2000 من العناصر المسلحة للتنظيم —الذين يتواجد معظمهم في جبال إقليم كوردستان وجزء منهم في روجآفا/سوريا— ستخفض من القدرة البشرية للتنظيم كقوة مقاتلة إلى حد كبير. وإذا تزامن ذلك مع تسليم الأسلحة والذخائر كما يُشاع، فإن المجموعة التي يُتوقع ألا يشملها القانون ستفقد إلى حد كبير القدرة على استئناف القتال، حتى لو تراجعت عن التسوية؛ على الرغم من أن دوران كالكان، وهو قائد آخر في حزب العمال الكوردستاني، أشار إلى أنهم لا يفكرون في الحرب مرة أخرى.
أوجلان، هو طرف رئيسي في هذه التسوية، لكن من المحتمل ألا يشمله القانون تلقائياً وبشكل رسمي. وبحسب مسودة القانون، التي لم تُقر بعد، فإن القانون، إلى جانب أوجلان، لن يشمل عدداً من كوادر ومسؤولي المنظمة الكبار الذين صدرت بحقهم أحكام مشددة قبل 1 حزيران 2005. ووفقاً لتقدير أولي، يتراوح عدد هؤلاء بين 250 و500 شخص. يشبه القانون إلى حد كبير "عفواً صامتاً مشروطاً"؛ لأنه يعمل من خلال إلغاء تجريم بعض التصرفات السابقة، على سبيل المثال: كانت العضوية في حزب العمال الكوردستاني جريمة في السابق، لكن مع زوال/حل الحزب، تزول تلك الجريمة وعقوبتها أيضاً، لكن الوضع يختلف بالنسبة لأولئك الذين صدرت بحقهم أحكام باتة، بحيث قد تتاح الفرصة لبعضهم بعد 2 إلى 3 سنوات للمشاركة في الحياة السياسية.
في سيناريو يُقر فيه القانون ويُطبَّق كما هو، وتلتزم الأطراف به، من المرجح جداً أن تطالب تركيا بانسحاب أعضاء حزب العمال الكوردستاني من جبل كارا وخنيرة وجزء من قنديل على الأقل. في المقابل، قد لا تكون لديها مشكلة كبيرة في أن يبقى ذلك الجزء من حزب العمال الكوردستاني الذي لا يشمله القانون، مع حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)، في منطقة حدودية تمتد من جبل آسوس إلى بنجوين، والتي تبعد أكثر من 400 كيلومتر سيراً على الأقدام عن الحدود التركية. وهذا البعد الجغرافي يجعل من الصعب على أي جماعة مسلحة استئناف القتال مع تركيا.
يحظى موقع عبد الله أوجلان بأهمية خاصة لكل من حزب العمال الكوردستاني والدولة التركية. قد ينظر حزب العمال الكوردستاني في هذه المرحلة إلى أوجلان كفرصة لفتح باب للنضال المدني والسياسي داخل تركيا. ومن المحتمل أن تتجنب الحكومة التركية، مراعاة للرأي العام الداخلي، منحه دوراً علنياً مباشراً؛ لكنها تدرك أن هذه العملية لن تنجح بدون أوجلان، وأن نجاحها يتطلب أن يمتلك أوجلان سلطة وثقلاً تنظيمياً وسياسياً.
ومن المرجح جداً أن يخلق القانون نوعاً من التصنيف والتقسيم بين أعضاء حزب العمال الكوردستاني؛ أولئك الذين يشملهم القانون وأولئك الذين لا يشملهم. وهذا ما سينتج في النهاية "حزبين للعمال الكوردستاني": أحدهما يعود ويتخلى عن القتال، والآخر الذي قد ينتظر مرحلة أخرى. وربما تعتقد تركيا أن المجموعة الثانية، حتى لو تراجعت عن المصالحة، فلن تكون قادرة على استئناف القتال بسهولة مرة أخرى، بتنفيذ القانون.
تعتبر العديد من الأحزاب السياسية التركية هذه القضية محاولة لـ "إنهاء الإرهاب"، وفي المقابل، ينظر إليها حزب العمال الكوردستاني على أنها تحول من الكفاح المسلح إلى المشاركة السياسية القانونية. وبصرف النظر عن وجهات نظر الأطراف، إذا ما نجحت عملية إلقاء السلاح والعودة هذه، فإنها ستشكل تحولاً نوعياً في الحركة السياسية الكوردية في تركيا والشرق الأوسط. إن العملية الحالية هي نتاج مرحلة بدأت في عام 1999 باعتقال أوجلان ونقل جغرافية الحرب إلى خارج حدود تركيا. ولكن، بغض النظر عن التوازن العسكري في نهاية المطاف، لم يتمكن حزب العمال الكوردستاني من تحقيق أهدافه الأولية عن طريق الحرب، كما لم تتمكن تركيا من إلحاق هزيمة كاملة بهذا الحزب والقضاء عليه. بعد اتفاق "دولمة بهجة" بين عامي 2013 و2015، تعد هذه المرحلة الحالية هي الأكثر جدية للمفاوضات المباشرة وغير المباشرة بشأن نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني وإنهاء حرب استمرت لأربعة عقود؛ على الرغم من أن كلا الجانبين لا يزالان ينظران إلى العملية برمتها من وجهتي نظر مختلفتين.
.webp&w=3840&q=75)


