لا أعتقد أن أهمية زيارة نيجيرفان
بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، إلى دمشق تقتصر على أنها أول زيارة رسمية بعد وصول
الإدارة السورية الجديدة إلى السلطة، بل تكمن أيضاً في توقيتها. فسوريا ماتزال
تبحث عن ملامح جديدة لدولتها بعد سنوات الحرب الطويلة، فيما يبقى الشمال الشرقي
مساحة تتداخل فيها حسابات دمشق والكورد وتركيا والولايات المتحدة. لذلك يصعب النظر
إلى الزيارة بوصفها مجرد محطة بروتوكولية عابرة.
ما لفت انتباهي أن دلالات اللقاء
بدت أوضح من البيانات الرسمية نفسها، فخلال سنوات متابعتي للسياسة، كثيراً ما وجدت
أن صورة واحدة أو مصافحة مقتضبة تكشف ما تعجز عنه البيانات الرسمية.
ومن يتابع مسار السنوات الماضية
يلاحظ أن إقليم كوردستان لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد جار لسوريا، بل بوصفه طرفاً
يصعب تجاوزه عند الحديث عن مستقبل شمالها. وهذا لا يعني أن الرؤى متطابقة، لكنه
يعني أن تجاهل هذا الدور لم يعد ممكنًا.
قد يقول آخرون إننا نقرأ الزيارة
أكثر مما ينبغي، وإن دمشق ماتزال متمسكة بمفهوم الدولة المركزية، ولن تمنح أي
ترتيبات جديدة دوراً يتجاوز هذا السقف. وهذا اعتراض مفهوم، بل يستند إلى مواقف
معلنة ومتكررة. لكنني هنا اقول لهم وبهدوء شديد، إن السياسة لا تسير دائماً على إيقاع البيانات،
أحياناً قد يبدأ التغيير من خطوة صغيرة، ثم يتضح لاحقاً أن شيئاً مهماً كان يتشكل
بهدوء خلف الأبواب المغلقة.
كنت أتوقع أن يطغى الملف الأمني
على الزيارة، لكن الانطباع الذي خرجتُ به بعد متابعة تفاصيلها كان أوسع من ذلك.
بدا أن هناك محاولة لفتح نقاش يشمل حقوق المكونات الدينية والقومية، والاستقرار،
والاقتصاد، والثقافة، واضافة إلى إدارة الملفات الأمنية العالقة سياسياً، وربما
تهيئة أرضية أوسع للتواصل بين دمشق والكورد السوريين. لا توجد حتى الآن معطيات
كافية للحكم على مآلات هذا المسار، لكن مجرد الانتقال من القطيعة إلى الحوار يحمل
دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها.
إذا نظرت إلى الحدود الممتدة بين
العراق وسوريا، ستجدها كما هي منذ اكثر من مائة عام لا تتبدل. أما السياسات فشيء
آخر، فهي أكثر تقلباً من الصخور حتى. وما بدا قبل سنوات كأنه خط تماس مغلق قد
يتحول، مع تبدل الحسابات، إلى مساحة تفاوض.
لهذا أميل إلى قراءة الزيارة
باعتبارها رسالة مفادها أن مستقبل شمال شرق سوريا لن يُحسم بالرهان على القوة فقط،
وأن الحوار صار يفرض نفسه، حتى بين أطراف كانت المسافة بينها كبيرة.
ولهذا اخترت عنوان "فتح
الأبواب وإغلاق النوافذ". فالأبواب فتحت أمام تواصل مباشر، وأمام فرصة لإعادة
بناء الثقة، ولو تدريجياً. أما النوافذ، فقد أُغلقت أمام سياسة الرسائل غير
المباشرة والرهان على الوسطاء وإدارة الأزمة من بعيد.
قد لا تغيّر هذه الزيارة المشهد
السوري سريعاً، لكنها في تقديري غيّرت شيئاً في طريقة النظر إليه. وأحياناً، يكون
هذا هو التحول الأهم.



