تكتسب الزيارة الرسمية التي قام
بها رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق ولقائه مع الرئيس السوري أحمد
الشرع أهمية استراتيجية استثنائية، إذ لا تُقرأ هذه الخطوة كحدث بروتوكولي عابر بل
كدلالة على نضج المقاربات السياسية واستجابة واعية لعنصر السرعة في تسارع التحولات
الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، ومحاولة جادة لصياغة مرحلة جديدة من التعاطي
الإقليمي القائم على السلام والتكامل.
مرتكزات الزيارة والديناميات
الجيوسياسية
تستند هذه التحركات الدبلوماسية
إلى قراءة واقعية لمتطلبات المرحلة ويمكن إجمال أبعادها في النقاط التالية:
-الاستباقية وسرعة التحرك، حيث
تكشف الزيارة عن إدراك عميق بأن التحولات الإقليمية باتت تتسارع بشكل غير مسبوق
وأن الانتظار لم يعد خياراً، مما يتطلب دبلوماسية مرنة وسريعة تمتلك المبادرة لضبط
التوازنات قبل استغلال الفراغات.
-التنسيق الوطني والسيادي، حيث
جاءت هذه الخطوة بالتناغم والتنسيق الوثيق مع الحكومة الاتحادية في بغداد مما يعكس
حرصاً عراقياً مشتركاً على دعم استقرار الجوار الإقليمي والانطلاق من موقف سيادي
موحد يعتمد دبلوماسية توازنية عابرة للمحاور.
-معادلة الأمة والدولة، حيث
تُكرّس الزيارة رؤية سياسية متقدمة مفادها أن المكون الكوردي ليس خطراً على سيادة
الدول، بل هو عنصر توازن وضامن استقرار للدولة الوطنية متى ما صينت حقوقه ضمن أطر
المواطنة والعدالة الدستورية الجامعة.
-أربيل كمهندس للحلول الهادئة، وتُبرز
الزيارة محورية الدور الذي تؤديه أربيل كجسر للتواصل ووسيط مقبول، حيث تسهم هذه
الجهود في دعم مسارات الحوار بين الإدارة السورية والمكون الكوردي السوري لتثبيت
تفاهمات وقف إطلاق النار وآليات الدمج الشامل صوناً للحقوق والسيادة.
-مثلث الاستقرار (بغداد - أربيل -
دمشق)، يمثل التنسيق الثلاثي ركيزة أساسية لتأمين الشريط الحدودي ومكافحة
التهديدات الإرهابية وسد الفراغات الأمنية عبر تفاهمات إقليمية تصنعها قيادات
المنطقة بنفسها.
رسائل استراتيجية صريحة في قالب
دبلوماسي
تحمل هذه الخطوة في جوهرها رسائل
واضحة ومباشرة وُجهت بموضوعية إلى الأطراف المعنية:
-إلى صناع القرار إقليمياً
ودولياً.. إن الاستقرار المستدام في المنطقة يُبنى عبر الحوار المباشر والشراكة
البناءة بين دول الجوار، إن دمشق وبغداد وأربيل تؤكد قدرتها على مواكبة المتغيرات
السريعة وإدارة ملفاتها الوطنية وتأمين حدودها دون ارتهان تام للتجاذبات الدولية.
-إلى الشعب الكوردي.. تُثبت أربيل
عبر ثقلها الدبلوماسي أن حماية الوجود وصون المكتسبات الثقافية والسياسية للمكون
الكوردي في سوريا يتحققان عبر العمل السياسي الرصين والواقعية السياسية والتكامل
المؤسساتي داخل دولة سورية موحدة، بعيداً عن أوهام العزلة أو الخيارات غير
المحسوبة.
-إلى شعوب المنطقة.. الانتقال
الملموس من حقبة النزاعات والتجاذبات إلى التأسيس لشبكة منافع اقتصادية واجتماعية
مشتركة وتهيئة البيئة الملائمة للعودة الطوعية والكريمة للنازحين واللاجئين، بما
يعزز السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
الشرايين الاقتصادية وآفاق
التعافي
خلف الأبعاد السياسية، تفتح هذه
المباحثات آفاقاً جديدة لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية:
-تأمين حركة التجارة والترانزيت..
إعادة تنشيط المنافذ الحدودية يخدم التبادل التجاري ويربط الخطوط الاقتصادية بين
العراق وسوريا والخليج والمحيط الإقليمي.
-بيئة جاذبة للاستثمار.. توفير
البيئة السياسية والأمنية المستقرة يشجع على المشاركة الفاعلة للقطاع الخاص في
مشاريع البنية التحتية والطاقة وإعادة الإعمار.
تضع زيارة دمشق عموم المنطقة أمام
مرحلة جديدة من الواقعية السياسية، حيث أثبت السيد نيجيرفان بارزاني أن السبيل
الأمثل لتفكيك أزمات الشرق الأوسط يكمن في الدبلوماسية الهادئة، والاستجابة
السريعة وصياغة المصالح المتبادلة. لقد
رسخت هذه المبادرة محورية إقليم كوردستان كفاعل إقليمي مؤثّر وجسرٍ موثوق للتوازن
والاستقرار يربط بين بغداد ودمشق.
إن الرؤية الاستراتيجية التي
يطرحها رئيس إقليم كوردستان لا تقف عند حدود تأمين الشريط الحدودية ومكافحة
الإرهاب بل تمتد لتأسيس شراكة اقتصادية وتنموية عابرة للحدود وتكريس معادلة حاسمة
مفادها: أن صون حقوق المكون الكوردي وتكامل مؤسساته داخل "سوريا مستقرة
وموحدة" هما الضمانة الحقيقية للأمن الإقليمي.
لقد برهن السيد نيجيرفان بارزاني
أن أمن المنطقة وحدة لا تتجزأ، وأن صناعة المستقبل المشترك تتطلب قيادة تمتلك
الإرادة الصادقة والجرأة على فتح أبعاد جديدة للسلم والشراكة.



