أصبح استمرار الحرب بين الولايات
المتحدة وإيران تهديداً جدياً للبنية التحتية للنفط والغاز، ومسارات النقل،
والاستثمارات الأجنبية؛ وفي الوقت نفسه، وضع سوق الطاقة العالمي وأمن الإمدادات
تحت ضغوط شديدة. ومع ذلك، حافظت مستويات إنتاج وتصدير النفط الإيراني على معدلات
أعلى مقارنة بالعراق وإقليم كوردستان، وكانت أقل عرضة للتعطل.
وفقاً لبيانات مؤسسة (Kpler)، شهد إنتاج العراق وإقليم كوردستان بين آذار وتموز 2026 انخفاضاً
ملحوظاً بنسبة تراوحت بين 46% و66% مقارنة بالأشهر نفسها من عام 2025. وفي
المقابل، تراوح انخفاض الإنتاج الإيراني في الفترة نفسها بين 4% و39% فقط.
من حيث الإنتاج: في حزيران 2026،
أنتجت إيران 2.61 مليون برميل نفط يومياً. وفي المقابل، أنتج العراق وإقليم
كوردستان معاً 1.604 مليون برميل يومياً (أي أن إيران تفوقت بنحو مليون برميل).
وتعود الأسباب الرئيسة لهذا التعثر في العراق والإقليم إلى: استمرار توقف عمل
الشركات الأجنبية في حقول إقليم كوردستان بسبب المخاطر الأمنية، وإغلاق أو عرقلة
منافذ التصدير في جنوب العراق، ومخاطر مرور السفن عبر مضيق هرمز.
من حيث التصدير: في حزيران 2026،
بلغ التصدير اليومي لإيران 766 ألف برميل، بينما بلغ تصدير العراق والإقليم 700
ألف برميل. وفي السوق الصينية —التي تعد المشتري الرئيس لكلا الطرفين— بلغت كمية
النفط الإيراني المصدر ضعف كمية النفط المصدر من العراق وإقليم كوردستان.
تفاصيل الإنتاج الشهري (حتى تموز
2026)
تفاوتت مستويات الإنتاج اليومي
لإيران خلال أشهر هذا العام؛ حيث أنتجت كميات أكبر خلال فترة الحرب مقارنة بفترة
الهدنة غير المستقرة التي بدأت من 8 نيسان 2026 وحتى بداية هذا الشهر.
أكبر تراجع في الإنتاج الإيراني:
سُجل في شهر ايار (انخفاض بنسبة 39%) وحزيران (انخفاض بنسبة 36%) مقارنة بالعام
الماضي.
معدل الإنتاج اليومي في إيران:
حتى 20 تموز 2026، أنتجت إيران 3.28 مليون برميل يومياً (أقل بنسبة 19% عن العام
الماضي)، علماً أن إنتاجها في تموز 2025، بعد حرب الـ 12 يوماً، كان يتجاوز 4
ملايين برميل.
مستوى إنتاج النفط في
العراق وإقليم كوردستان
في كانون الثاني وشباط 2026،
وبسبب استئناف الإنتاج في حقول إقليم كوردستان والتصدير عبر الأنابيب إلى تركيا،
نما الإنتاج بنسبة 6% إلى 8% ليصل إلى 4.2 مليون برميل يومياً. ولكن مع بدء الحرب
الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، المعروفة بـ "حرب الـ 40 يوماً"،
انخفض الإنتاج في شهري نيسان وايار بنسبة 66%، ليهبط من 4 ملايين إلى 1.3 مليون
برميل يومياً.
تشير البيانات إلى أن مساهمة
إقليم كوردستان في إجمالي إنتاج وتصدير النفط العراقي شهدت عدة متغيرات؛ حيث كان
مستوى الإنتاج اليومي قبل الحرب يتجاوز 270 ألف برميل. ولكن منذ بداية آذار، وبعد
توقف الإنتاج في حقول (تاوكي، فيشخابور، شيخان، سرسنك، وأتروش)، انخفض مستوى
الإنتاج إلى ما دون 70 ألف برميل. لاحقاً في بداية تموز، استأنفت الشركات الأجنبية
عملها وعاد الإنتاج إلى مستويات ما قبل الحرب، إلا أن شركتي (HKN) و(Gulf Keystone) أوقفتا الإنتاج مجدداً خلال
الأسبوعين الماضيين، ليصبح مستوى الإنتاج حالياً فوق 100 ألف برميل يومياً.
يُذكر أنه في أول 20 يوماً من تموز
2026، وصل إنتاج النفط في العراق والإقليم إلى 2.14 مليون برميل يومياً (بزيادة
نحو نصف مليون برميل عن حزيران)، وهو مؤشر على تسهيل مرور ناقلات النفط العراقية
عبر مضيق هرمز، رغم أن عدد الناقلات المارة عاد للانخفاض في الأيام القليلة
الماضية.
تفاصيل التصدير الشهري (حتى تموز
2026)
كان تصدير النفط اليومي من إيران
طبيعياً حتى نيسان 2026، لكنه انخفض في ايار (فترة الهدنة) إلى 271 ألف برميل
يومياً (بنسبة تراجع 84%). ثم ارتفع في حزيران إلى 766 ألف برميل (أكثر من 90%
منها ذهب إلى الصين)، وفي أول 20 يوماً من تموز 2026 وصل إلى أكثر من 1.3 مليون
برميل، وُجهت بالكامل نحو الصين.
أما بالنسبة للعراق وإقليم
كوردستان، فقد بلغ التصدير في حزيران 2026 نحو 700 ألف برميل، أي بنسبة انخفاض 79%
عن العام السابق. وكان أدنى مستوى تصدير في ايار 2026 حيث انخفض بنسبة 92.3%.
من جهة أخرى، وبحسب بيانات شركة
تسويق النفط العراقية (سومو) حول تصدير نفط إقليم كوردستان:
كانون الثاني: 208 ألف برميل
يومياً.
شباط: 198 ألف برميل يومياً.
آذار: 41 ألف برميل يومياً.
نيسان: 11 ألف برميل يومياً.
ايار: 15 ألف برميل يومياً فقط.
يُشار إلى أن بيانات الشهرين
الماضيين بعد تسلم الحكومة الجديدة مهامها لم تُنشر رسمياً بعد من قبل
"سومو" ووزارة المالية.
في بداية تموز، حدث تغيير جديد
حيث ارتفع مستوى التصدير ليصل إلى أكثر من 1.2 مليون برميل يومياً. كما بدأ العراق
بترميم أنبوب (كركوك - جيهان) وتوقيع عقد لنقل 700 إلى 750 ألف برميل من نفط
البصرة إلى كركوك، لسد جزء من العجز في التصدير الناتج عن عدم الاستقرار المستمر
في مضيق هرمز.
مقارنة النصف الأول من 2026
بالنصف الأول من 2025
تظهر المقارنة بين معدلات النصف
الأول من عامي 2025 و2026 فرقاً شاسعاً:
صادرات النفط الإيراني: انخفضت
بنسبة 20%؛ حيث كانت 1.67 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، لتصبح 1.33
مليون برميل في النصف الأول من 2026.
صادرات العراق وإقليم كوردستان:
انخفضت بنسبة 55%؛ حيث كانت نحو 3.3 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025،
لتنخفض إلى 1.49 مليون برميل في النصف الأول من 2026 (بما في ذلك حصة الإقليم).
إجمالي إنتاج النفط الإيراني:
انخفض بنسبة 15%؛ حيث كان 4.1 مليون برميل يومياً قبل الحرب، ليصبح متوسطه 3.48
مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2026.
بلغ إجمالي إنتاج العراق وإقليم
كوردستان في النصف الأول من عام 2025 نحو 3.96 مليون برميل يومياً، لكنه انخفض في
النصف الأول من عام 2026 إلى 2.38 مليون برميل؛ أي بنسبة تراجع بلغت 39%، ما يعادل
خسارة 1.57 مليون برميل يومياً.
في الواقع، يعود هذا الانخفاض
الحاد في إنتاج وتصدير النفط في العراق وإقليم كوردستان مقارنة بإيران إلى
التهديدات الأمنية التي تواجه الشركات الأجنبية، والعقبات المستمرة في مضيق هرمز،
وغياب أي بديل استراتيجي لتصدير نفط جنوب العراق خارج ميناء البصرة.
الأسباب الكامنة وراء هذا التباين
بين صناعة النفط الإيرانية والعراقية
أولاً؛ من حيث الإدارة (السيطرة
الوطنية):
يعتبر قطاع النفط والغاز في إيران
قطاعاً وطنياً بالكامل ولا يعتمد على الشركات الأجنبية (بسبب العقوبات الأميركية
والأوروبية)، حيث تُدار جميع الحقول من قبل شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC). وهذا يضمن استمرار العمل وعدم انسحاب الكوادر في أوقات
الأزمات الأمنية. على العكس من ذلك، يعتمد قطاع النفط في إقليم كوردستان وجزء من
حقول جنوب العراق على الشركات الدولية (IOCs)، التي تسارع إلى إيقاف عملياتها أو سحب
موظفيها عند حدوث أي توترات أمنية.
ثانياً؛ استقلالية ممرات التصدير:
من خلال الاستثمار في مشروع خط
أنابيب "غورة - جاسك"
(Goreh-Jask)، باتت إيران
قادرة على تحميل جزء من نفطها من خارج مضيق هرمز (عبر بحر عُمان). علاوة على ذلك،
وبفضل نفوذها العسكري في مضيق هرمز، تمر ناقلات النفط الإيرانية بمخاطر أمنية أقل
بكثير مقارنة بالناقلات الدولية التي تحمل النفط العراقي.
ثالثاً؛ شبكة التصدير الموازية أسطول الظل Shadow Fleet:
تمتلك إيران شبكة واسعة من الشحن
المموه ونظاماً مالياً معقداً طورته خلال سنوات العقوبات. هذه الخبرة مكنتها من
تبادل السفن بسهولة في أوقات الحرب، دون الحاجة إلى تشغيل أجهزة تحديد الهوية (AIS) أو الاعتماد على شركات التأمين الغربية لنقل النفط إلى
الخارج.
رابعاً؛ سوق مستقرة ومضمونة:
تذهب أكثر من 90% من صادرات النفط
الإيراني إلى المصافي المستقلة في الصين (Teapot Refineries). وبحسب التقارير الدولية، تستخدم هذه المصافي نظاماً مالياً خاصاً لا يرتبط
بالدولار الأميركي أو النظام المالي الغربي، مما يوفر طلباً مستمراً ومضموناً
للنفط الإيراني.
خاتمة
تظهر بيانات النصف الأول من عام
2026 أن تأثير الصراعات والتوترات الأمنية الناتجة عن الحرب على قطاع النفط في
العراق وإقليم كوردستان كان أشد وطأة بكثير مقارنة بإيران. فبفضل بنيتها التحتية
المتنوعة، وتصديرها المباشر إلى الصين، وسيطرتها على مضيق هرمز، تمكنت طهران من
الحفاظ على استقرار مستويات الإنتاج والتصدير إلى حد ما.
في المقابل، تسبب الاعتماد الكلي
لجنوب العراق على مضيق هرمز، وتوقف عمل الشركات الأجنبية في إقليم كوردستان،
بخسائر مالية فادحة؛ ووفقاً لبيانات وزارة المالية العراقية، بلغ حجم العجز في
الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام نحو 13 تريليون دينار (قرابة 10 مليارات دولار).
ختاماً، ألحقت هذه الحرب أضراراً
جسيمة بقطاع الطاقة في العراق والإقليم وما زالت مستمرة، إلا أن قرارات بغداد
الأخيرة الرامية لاستئناف التصدير عبر ترميم أنبوب (كركوك - جيهان) ونقل نفط
البصرة نحو كركوك وبيجي بالصهاريج —جنباً إلى جنب مع التفاهمات بشأن أنابيب (بصرة
- بانياس) و(بصرة - عقبة)— تعد خطوات استراتيجية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز
وإنقاذ البلاد من "الاختناق الاقتصادي" في ظل الحروب المستعرة في المنطقة.



.jpg&w=3840&q=75)