بين يقظة الوعي القومي الكوردي
وحسابات الجغرافية السياسية ان الــ 7 من تموز 1923، لم يكن مجرد يوم عابر في سجل
الأحداث السياسية لمنطقة القوقاز، بل شكّل محطة تاريخية استثنائية في مسيرة الشعب
الكوردي، عندما أعلنت حكومة جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية وبدعم مباشر
من القيادة السوفيتية في موسكو تأسيس كوردستان الحمراء (Kurdistan Uezd) لتصبح
أول كيان إداري رسمي يحمل اسم "كوردستان" في القرن العشرين.
ورغم أن هذه التجربة لم تستمر سوى
حتى 8 نيسان 1929، فإنها بقيت واحدة من أكثر المحطات إثارةً في التاريخ الكوردي
الحديث بانها أول اعتراف رسمي على مستوى سلطة مركزية بوجود منطقة تحمل اسم
كوردستان يعيش فيها الكورد بوصفهم جماعة قومية لها خصوصيتها اللغوية والثقافية
والاجتماعية.
لقد جاءت ولادة كوردستان الحمراء
في مرحلة كانت الأمة الكوردية تمر فيها بواحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخها
فبعد انهيار الدولة العثمانية رأى الكورد أن الفرصة التاريخية قد حانت لتحقيق
حلمهم الوطني ولاسيما بعد أن فتحت معاهدة سيفر عام 1920 الباب أمام إمكانية إنشاء
كيان كوردي مستقل، غير أن التحولات الدولية اللاحقة وتوقيع معاهدة لوزان عام 1923
أنهيا تلك الآمال ورسما حدوداً جديدة قسمت كوردستان بين أربع دول لتدخل القضية
الكوردية مرحلة جديدة من التحديات السياسية والجغرافية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأبواب
تُغلق أمام المشروع القومي الكوردي في الشرق الأوسط شهدت منطقة القوقاز حدثاً بدا
للكثيرين استثنائياً، إذ ظهر على الخرائط لأول مرة اسم "كوردستان" بوصفه
كياناً إدارياً رسمياً داخل الاتحاد السوفييتي، ومن هنا اكتسبت كوردستان الحمراء
قيمتها الرمزية والقومية ليس لأنها حققت حلم الدولة الكردية بل لأنها أثبتت أن
الهوية الكوردية أصبحت حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها.
في تلك الاونة هدف الاتحاد
السوفيتي إلى استيعاب المكونات القومية المختلفة داخل الدولة السوفييتية ومنحها
قدراً من الاعتراف الثقافي والإداري، وأسس كوردستان الحمراء بدافع تبني المشروع
القومي الكوردي في إطار السياسة المعروفة بإدارة القوميات في الاتحاد السوفييتي.
ومع ذلك، فإن هذه السياسة وفرت
للكورد في القوقاز بعض الحقوق القومية لم تتح مسبقا في كثير من المناطق الأخرى
آنذاك، فقد شهدت كوردستان الحمراء افتتاح مدارس باللغة الكوردية، وإعداد مناهج
تعليمية، ومشاركة أبناء المنطقة في الإدارة المحلية، إلى جانب نشاط ثقافي ساهم في
تعزيز اللغة والهوية الكرديتين ولأول مرة في العصر الحديث، أصبح اسم “كوردستان”
يظهر في الوثائق الرسمية والخرائط الإدارية وهو أمر ترك أثراً عميقاً في الوعي
القومي للكورد.
لكن التجربة حملت في الوقت نفسه
نقصاً واضحاً فلم تكن لكوردستان الحمراء دستوراً أو جيشاً أو تمثيلاً خارجياً، كما
أن جميع قراراتها الاستراتيجية كانت تصدر من موسكو لذلك بقي وجودها مرتبطاً
بالكامل بإرادة السلطة السوفيتية لا بإرادة سكانها.
ومن هنا يمكن القول إن كوردستان
الحمراء مثلت أول اعتراف رسمي بالاسم والقومية للكورد في تلك الحقبة الزمنية لكنها
لم تمثل تحقيقاً كاملاً للمشروع القومي الكوردي اذ لم تدم طويلاً (1923–1929)، وهو
ما يفسر انتهاءها السريع عندما تغيرت أولويات السياسة السوفيتية في نهاية عشرينيات
القرن الماضي.
إن أهمية كوردستان الحمراء لا
تكمن في عدد السنوات التي استمرت فيها بل في الرسالة التي حملتها فقد أثبتت أن
الكورد لم يكونوا مجرد جماعات متناثرة داخل خرائط الآخرين، بل شعباً يمتلك هوية
تاريخية استطاعت ولو لفترة قصيرة أن تجد اعترافاً رسمياً باسمها على الخريطة
السياسية والجغرافية.
ولهذا، فإن كوردستان الحمراء
ستبقى إحدى المحطات المؤسسة في تاريخ النهضة القومية الكوردية لا لأنها حققت حلم
الدولة، بل لأنها أعادت تثبيت اسم كوردستان في الوعي السياسي والقومي الحديث، بحيث
مهدت بصورة مباشرة للتجارب التي اتت بعدها من جمهورية آرارات إلى جمهورية مهاباد
وصولاً إلى التجربة الدستورية المعاصرة في إقليم كوردستان العراق.
وفي قراءة التاريخ، لا تُقاس قيمة
التجارب بطول عمرها وإنما بعمق الأثر الذي تتركه في ذاكرة الشعوب ولعل كوردستان
الحمراء خير مثال على ذلك، فعلى الرغم من أن عمرها لم يتجاوز ست سنوات
(1923–1929)، وانتهت بقرار سياسي فرضته التحولات الإقليمية وحسابات القوى الكبرى
فإنها نجحت في أن تتحول إلى رمز تاريخي راسخ في الذاكرة القومية الكوردية.



