بعد هجرة النبي محمد (ص) من مكة
إلى المدينة سنة 1هـ/622م، بدأ المجتمع الإسلامي يتشكل في بيئة جديدة تضم المسلمين
واليهود وغيرهم من سكان المدينة. وقد روت المصادر الإسلامية أن النبي (ص) عندما
قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صيامه، فأخبروه أنه يوم
نجّى الله فيه موسى وقومه من فرعون، فصامه موسى شكراً لله. عندئذٍ قال النبي (ص): "نحن
أحق بموسى منهم، فصامه وأمر المسلمين بصيامه". وقد وردت هذه الرواية في صحيحي
البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وفي تلك المرحلة كان صيام عاشوراء
يحظى بمكانة خاصة بين المسلمين، حتى ذهب بعض العلماء إلى أنه كان واجباً قبل فرض
صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، ثم أصبح صيامه سنةً مستحبة بعد نزول
فريضة رمضان. كما ورد في الحديث الصحيح عن أبي قتادة أن النبي (ص) قال في فضل
صيامه: "أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله". ولما أراد النبي (ص)
في أواخر حياته مخالفة اليهود في هذه الشعيرة قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن
التاسع"، رواه مسلم في صحيحه، استحباباً لمخالفة اليهود بصيام التاسع مع
العاشر. فاستحب العلماء صيام التاسع مع العاشر.
وروت أم المؤمنين "عائشة بنت
أبي بكر الصديق" أن قريشاً كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله (ص)
يصومه أيضاً، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض صيام رمضان قال: "من
شاء صامه ومن شاء تركه"، رواه البخاري ومسلم.
وتدل هذه الأحاديث مجتمعة على أن
عاشوراء كان يوماً ذا مكانة دينية في الإسلام منذ عهد النبي (ص)، وأن فضيلة صيامه
ثابتة في أصح كتب الحديث، قبل أن يكتسب بعداً تاريخياً إضافياً في الوجدان
الإسلامي إثر أحداث كربلاء واستشهاد الحسين بن علي (ع).
وهكذا ارتبط يوم عاشوراء في
بدايات الإسلام بذكرى نجاة موسى عليه السلام وبعبادة الصيام شكراً لله تعالى، وظل
يحمل هذه الدلالة الدينية المهمة في الوجدان الإسلامي. غير أن هذا اليوم اكتسب
لاحقاً بُعداً تاريخياً جديداً بعد استشهاد الحسين بن علي (ع) في كربلاء سنة
61هـ/680م، فأصبح من أكثر الأيام حضوراً وتأثيراً في الذاكرة الإسلامية عبر العصور.
وفي السياق نفسه شكّلت واقعة كربلاء سنة 61هـ/680م واحدة من
أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ الإسلامي، وقد حظيت باهتمام واسع لدى المؤرخين
المسلمين الذين تناولوا تفاصيلها من زوايا مختلفة، إلا أنهم اشتركوا جميعاً
تقريباً في النظر إليها بوصفها فاجعة كبرى أصابت الأمة الإسلامية. ومن خلال تتبع
الروايات التاريخية بحسب التسلسل الزمني للمؤرخين يمكن ملاحظة تطور النظرة إلى
الحدث مع مرور الزمن.
عندما وقعت مأساة كربلاء لم تكن
مجرد معركة محدودة بين فريقين، بل تحولت سريعاً إلى أحد أكثر الأحداث تأثيراً في
التاريخ الإسلامي. وقد انعكس ذلك بوضوح في كتابات المؤرخين المسلمين الذين تناولوا
الواقعة عبر القرون، حيث اختلفت مناهجهم وتوجهاتهم، لكنهم اشتركوا في اعتبار مقتل
الحسين بن علي حدثاً استثنائياً ترك آثاراً عميقة في الوجدان الإسلامي.
ويبدأ الطريق إلى روايات كربلاء
بالمؤرخ الكوفي أبي مخنف لوط بن يحيى (ت 157هـ/774م)، الذي يعد أقدم من جمع أخبار
الواقعة بصورة مستقلة. ورغم ضياع كتابه الأصلي، فإن رواياته بقيت محفوظة في كتب
المؤرخين اللاحقين. وقد أظهر أبو مخنف تعاطفاً واضحاً مع الحسين وأهل بيته، كما
ركز بصورة خاصة على قضية خذلان أهل الكوفة للحسين، وعدّها من الأسباب الرئيسة
للمأساة. فقد نقل أخبار الرسائل الكثيرة التي أرسلها الكوفيون إلى الحسين يدعونه
فيها إلى القدوم، ثم وصف كيف تراجع معظمهم بعد وصول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة
وما مارسه من ضغوط وتهديدات على زعماء القبائل وأنصار الحسين؛ وتبرز في رواياته
صورة التردد والخوف والانقسام بين أهل الكوفة، حتى انتهى الأمر بترك الحسين مع قلة
من أهل بيته وأصحابه في كربلاء.
وقد انتقد بعض الباحثين أبا مخنف
بسبب ميله الواضح إلى أهل البيت واعتماده على رواة كوفيين متعاطفين مع الحسين، إلا
أن رواياته تبقى من أقدم وأهم المصادر التاريخية عن كربلاء. لذلك يعتمد عليها
المؤرخون مع مقارنتها بالمصادر الأخرى، وتبقى شهادته أساساً لفهم موقف الحسين ودور
أهل الكوفة في خذلانه كما تصوره الذاكرة الإسلامية المبكرة.
ثم جاء بعده خليفة بن خياط (ت
240هـ/854م): في كتابه تاريخ خليفة بن
خياط، يعد من أقدم المؤرخين المسلمين. يتميز أسلوبه بالاختصار الشديد وعدم التوسع
في سرد مأساة كربلاء. ولا يظهر تعاطفاً صريحاً مع الأمويين، لكنه يقدم الرواية
الرسمية المختصرة للأحداث دون إبراز كبير لمظلومية الحسين، ولذلك يرى بعض الباحثين
أن روايته أقرب إلى البيئة السنية التقليدية المحافظة التي لم تكن تميل إلى مهاجمة
الأمويين.
وعدّ محمد بن سعد (ت 230هـ/845م)
من أقدم المؤرخين الذين نقلوا أخبار واقعة كربلاء. وقد تناول أحداثها في كتابه
الطبقات الكبرى بأسلوب يميل إلى السرد التاريخي دون إظهار مواقف مذهبية حادة.
وتكشف روايته عن تعاطف واضح مع الحسين بن علي، إذ أبرز فضله ومكانته الدينية، وروى
تفاصيل خروجه إلى العراق ومقتله في كربلاء، كما نقل أخبار خذلان أهل الكوفة له وما
تعرض له وأهل بيته من قتل وأسر. ومع ذلك، لم يوجه ابن سعد إدانة صريحة ليزيد بن
معاوية، ولم يدخل في جدل سياسي أو عقائدي حول شرعية الحكم الأموي، بل اكتفى في
الغالب بعرض الوقائع كما وصلته من الروايات المتداولة في عصره. لذلك يعده الباحثون
من المؤرخين ذوي الاتجاه المعتدل الذين أظهروا التعاطف مع الحسين ومظلوميته دون
تبني موقف شيعي واضح أو دفاع أموي صريح.
أما النقد الموجه إليه فيتمثل
أساساً في اعتماده على بعض الروايات التي أثارت جدلاً بين المحدثين، إضافة إلى أنه
لم يقدم تحليلاً سياسياً عميقاً لأسباب حادثة كربلاء ونتائجها، بل ركز على تسجيل
الأحداث وسير الشخصيات. ومع ذلك تبقى روايته ذات أهمية كبيرة لأنها من أقدم
الشهادات التاريخية الباقية عنها، وتسبق روايات كثير من المؤرخين الذين جاؤوا بعده.
يُعدّ ابن قتيبة الدينوري
(213-276هـ/828-889م) من المؤرخين الذين تناولوا أحداث كربلاء في عدد من مؤلفاته،
إلا أن موقفه كان أكثر اعتدالاً من المؤرخين ذوي النزعة الشيعية. فقد أظهر
احتراماً واضحاً للحسين بن علي واعتبر مقتله من الأحداث المؤلمة في تاريخ الإسلام،
كما نقل أخبار خروجه إلى العراق وخذلان أهل الكوفة له وما انتهت إليه الأحداث من
مقتله في كربلاء. لكنه لم يُحَمّل يزيد بن معاوية المسؤولية المباشرة بصورة صريحة،
ولم يجعل من الواقعة محوراً لإدانة الدولة الأموية كما فعل بعض المؤرخين
المتعاطفين مع أهل البيت. حيث أظهر اهتماماً بوحدة الدولة والنظام السياسي.
أما كتاب الإمامة والسياسة فقد
أثار جدلاً كبيراً بين الباحثين قديماً وحديثاً. فمع أن الكتاب نُسب منذ قرون إلى
ابن قتيبة، فإن عدداً من المحققين والمؤرخين يشككون في صحة هذه النسبة لأسباب
تتعلق بالأسلوب والمادة التاريخية ووجود روايات لا تتوافق مع منهج ابن قتيبة
المعروف في كتبه الأخرى. ومن أبرز المشككين في نسبة الكتاب إليه عدد من الباحثين
المعاصرين وبعض العلماء المتقدمين، بينما يرى آخرون أن النسبة قد تكون صحيحة أو أن
الكتاب تعرض لزيادات وتعديلات لاحقة. وفيما يخص كربلاء، فإن الروايات الواردة في
الإمامة والسياسة تُظهر تعاطفاً مع الحسين وأهل البيت أكثر مما نجده في بعض كتب
ابن قتيبة الأخرى، وهو أحد الأسباب التي دفعت بعض الباحثين إلى إعادة النظر في
نسبة الكتاب إليه. لذلك يتعامل المؤرخون المعاصرون مع الإمامة والسياسة بحذر،
ويحرصون على مقارنة رواياته بمصادر أقدم مثل الطبري والبلاذري والدينوري قبل
اعتمادها تاريخياً.
وخلاصة الأمر أن ابن قتيبة نفسه
يُعد من المؤرخين المعتدلين الذين أقروا بمظلومية الحسين دون تبني موقف شيعي صريح،
أما الإمامة والسياسة فلا يزال موضوعاً للنقاش العلمي، ولم يحصل إجماع بين
الباحثين على صحة نسبته إليه.
وبعدهما دوّن البلاذري (ت
279هـ/892م) روايته المهمة في "أنساب الأشراف"، وقد اعتمد على روايات
مبكرة، بعضها يرجع إلى أبي مخنف لوط بن يحيى. ويقدم البلاذري وصفاً متوازناً
للأحداث يبدأ من امتناع الحسين بن علي عن مبايعة يزيد بن معاوية، ثم انتقاله من
المدينة إلى مكة، ومراسلات أهل الكوفة له، وإرسال مسلم بن عقيل لاستطلاع الأوضاع
هناك، ثم مقتله على يد السلطة الأموية. ويظهر من روايته احترام كبير للحسين
ومكانته الدينية، كما يوجه نقداً واضحاً إلى سياسة عبيد الله بن زياد ووكلاء
الدولة الأموية الذين أوصلوا الأمور إلى المواجهة المسلحة. ورغم تعاطفه الواضح مع
الحسين فإنه يتجنب اللغة المذهبية الحادة ويحرص على تقديم الحدث في إطار تاريخي
وسياسي.
وتبعه أبو حنيفة الدينوري (ت
282هـ/895م) الذي نظر إلى كربلاء بوصفها أزمة سياسية كبرى نتجت عن صراع الشرعية
والسلطة، فرأى أن الحسين استجاب لدعوات أهل الكوفة الذين ما لبثوا أن تخلوا عنه
تحت ضغط الدولة الأموية. حيث يقدم رواية متماسكة للحادثة تركز على البعد السياسي
للأزمة. ويصور الدينوري خروج الحسين بوصفه استجابة لدعوات أهل الكوفة الذين وعدوه
بالنصرة ثم تخلوا عنه عند وصول جيش الدولة الأموية. ويبدو من سياق روايته تعاطف
واضح مع الحسين وإدانة ضمنية للسلطة التي أدت سياساتها إلى وقوع المأساة، لكنه لا
ينخرط في الجدل المذهبي، بل يعرض الحدث بوصفه أزمة سياسية انتهت بنتائج كارثية على
وحدة المسلمين.
وفي الفترة نفسها تقريباً كتب
اليعقوبي (ت نحو 284هـ/897م) روايته الشهيرة، فأظهر ميلاً أوضح إلى أهل البيت،
وقدم الحسين بوصفه صاحب الحق الأخلاقي والسياسي في مواجهة الحكم الأموي. وهو أكثر
المؤرخين الأوائل ميلاً إلى إبراز مكانة أهل البيت. فالحسين عنده يمثل صاحب الحق
الشرعي والأخلاقي في مواجهة السلطة الأموية، ويحرص على إظهار مظلوميته ومظلومية
أهل بيته بصورة أوضح مما نجده عند البلاذري والدينوري. كما يركز على الآثار
العاطفية والإنسانية للواقعة، وعلى ما أصاب أهل البيت من قتل وأسر؛ إلا أن روايته
تعرضت لعدد من الانتقادات من قبل الباحثين القدامى والمحدثين. ويتمثل أهم هذه
الانتقادات في ميله الواضح إلى أهل البيت، إذ يُظهر تعاطفاً كبيراً مع الحسين بن
علي ويبرز مظلوميته، مما دفع بعض العلماء إلى وصفه بأنه ذو نزعة شيعية أو علوية.
كما يُؤخذ عليه تركيزه على الجانب الأخلاقي والإنساني للمأساة أكثر من اهتمامه
بتحليل الظروف السياسية والعسكرية التي أحاطت بها.
ومن الانتقادات الأخرى أن
اليعقوبي لا يعتني بذكر الأسانيد والرواة كما فعل محمد بن جرير الطبري، الأمر الذي
يجعل التحقق من بعض أخباره أكثر صعوبة من الناحية المنهجية. كذلك يرى بعض الباحثين
أنه كان أشد انتقاداً للدولة الأموية وأقل حرصاً على عرض وجهة نظرها مقارنة
بالبلاذري أو الطبري؛ ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لم تمنع المؤرخين المعاصرين من
الاستفادة من روايته، لأن كتابه تاريخ اليعقوبي يُعد من أقدم المصادر الإسلامية
الباقية، كما أنه يحفظ جانباً مهماً من النظرة الإسلامية المبكرة إلى كربلاء.
ولذلك ينظر الباحثون إلى اليعقوبي بوصفه مصدراً مهماً يحتاج إلى المقارنة بغيره من
المصادر، لا مصدراً مرفوضاً أو فاقداً للقيمة التاريخية، الأمر الذي جعل روايته
تحتل مكانة مهمة في الدراسات المتعلقة بتاريخ التشيع المبكر.
أما محمد بن جرير الطبري
(224–310هـ/839–923م) فهو أهم مؤرخ تناول حادثة معركة كربلاء، بل إن معظم ما وصل
إلينا من تفاصيل الواقعة في المصادر اللاحقة يعود في الأصل إلى الروايات التي
حفظها في كتابه تاريخ الرسل والملوك. ولهذا كان من الأجدر إدراجه بين البلاذري والدينوري
من جهة، وبين المؤرخين المتأخرين من جهة أخرى. فقد ولد الطبري بعد واقعة كربلاء
بنحو 163 سنة، لكنه نقل عن مصادر أقدم، وأهمها روايات أبو مخنف (ت 157هـ)، الذي يُعد
أقرب مؤرخ معروف زمنياً إلى الحدث. ولذلك أصبحت رواية الطبري المرجع الرئيس الذي
اعتمد عليه ابن الأثير وابن كثير وكثير من المؤرخين بعده.
ولا يمكن القول إن الطبري اتخذ
موقفاً عقائدياً أو سياسياً صريحاً من كربلاء؛ فمنهجه التاريخي يقوم غالباً على
جمع الروايات بأسانيدها وترك الحكم للقارئ. ولهذا نجده يورد خطب الحسين ورسائل أهل
الكوفة ومقتل مسلم بن عقيل وأحداث المعركة وتفاصيل مقتل الحسين وأصحابه دون تعليق
مطول، وحرص غالباً على عرض الأخبار دون إصدار أحكام مباشرة.
ومع ذلك فإن مجرد عرض الطبري
للروايات المبكرة يكشف بوضوح عن تعاطفه الإنساني مع الحسين. فهو يبرز شجاعة الحسين
وثباته ورفضه الاستسلام، وينقل كلمات الحسين الأخيرة وخطبته أمام جيش الكوفة، كما
يورد مشاهد مقتل أهل بيته وأصحابه بصورة مؤثرة. وفي الوقت نفسه يُظهر خذلان أهل
الكوفة للحسين بعد أن دعوه إلى القدوم، ويبرز الدور المركزي الذي أداه عبيد الله
بن زياد في إدارة المواجهة.
أما بشأن يزيد بن معاوية، فإن
الطبري لا يصدر حكماً مباشراً عليه، فلا يلعنه ولا يدافع عنه، لكنه يورد الروايات
التي تجعل السلطة الأموية مسؤولة عن الأحداث التي انتهت بمقتل الحسين. ولهذا يرى
كثير من الباحثين أن الطبري تبنى موقف "المؤرخ الناقل" أكثر من موقف
"القاضي الذي يصدر الأحكام".
ومن الناحية التاريخية، يحتل
الطبري مكانة خاصة تختلف عن جميع المؤرخين الذين ذكرتهم سابقاً. فالبلاذري (ت
279هـ) والدينوري (ت 282هـ) واليعقوبي (ت نحو 284هـ) كانوا معاصرين تقريباً له،
لكن رواية الطبري كانت الأكثر تفصيلاً والأوسع انتشاراً، حتى أصبحت المصدر الأساسي
الذي اعتمدت عليه الأجيال اللاحقة. ولهذا فإن صورة كربلاء المعروفة اليوم في كثير
من كتب التاريخ الإسلامي هي في جانب كبير منها صورة كربلاء كما حفظها الطبري عن
أبي مخنف ورواة القرن الثاني الهجري.
وبذلك يمكن القول إن الطبري لم
يكن أكثر المؤرخين تعبيراً عن موقف شخصي من كربلاء، لكنه كان بلا شك أهم مؤرخ حفظ
لنا المادة التاريخية الأساسية للواقعة، حتى إن معظم ما كتبه ابن الأثير والذهبي
وابن كثير عن كربلاء يعود في جذوره إلى الروايات التي سجلها الطبري في القرن
الثالث الهجري.
وفي مطلع القرن الرابع الهجري برز
ابن أعثم الكوفي (ت نحو 314هـ/926م) في كتابه "الفتوح"، حيث توسع في وصف
الأحداث وأبرز الجانب المأساوي منها بصورة أوضح من الطبري أحياناً. وقد أظهر
تعاطفاً كبيراً مع الحسين وأهل بيته، إلا أن رواياته تعرضت لانتقادات من عدد من الباحثين
والمؤرخين. ويتمثل أبرز هذه الانتقادات في ميله الواضح إلى أهل البيت، إذ يُظهر
تعاطفاً كبيراً مع الحسين بن علي ويبرز مظلوميته بصورة أوسع من بعض المؤرخين
الآخرين، مما دفع بعض العلماء إلى اعتباره ذا نزعة شيعية أو علوية.
كما يُؤخذ عليه التوسع في إيراد
الخطب والرسائل والحوارات المطولة المنسوبة إلى شخصيات كربلاء، وهي نصوص يشك بعض
الباحثين في إمكان حفظها ونقلها بهذه الدقة بعد مرور أكثر من قرنين على الأحداث.
كذلك لا يلتزم ابن أعثم بمنهج الإسناد التفصيلي الذي نجده عند محمد بن جرير
الطبري، مما يجعل التحقق من بعض رواياته أكثر صعوبة.
ويرى عدد من الدارسين أن كتابه
الفتوح يتضمن أحياناً عناصر أدبية وبلاغية أُضيفت لإبراز الجانب المأساوي والدرامي
للواقعة، الأمر الذي يستدعي التعامل مع بعض أخباره بحذر ومقارنتها بالمصادر
الأقدم. ومع ذلك، لا يُعد ابن أعثم مؤرخاً مرفوضاً، إذ يعتمد عليه الباحثون في
دراسة كربلاء لأنه حفظ روايات ومواد تاريخية لا توجد كاملة في مصادر أخرى، لكن مع
ضرورة مقارنتها بروايات الطبري والبلاذري والدينوري للتأكد من قيمتها التاريخية.
ثم جاء المسعودي (ت 346هـ/957م)
الذي يُعَد من أبرز المؤرخين الذين تناولوا أحداث كربلاء في كتابيه "مروج
الذهب- والتنبيه والإشراف". وقد أظهر تعاطفاً واضحاً مع الحسين بن علي وأهل
البيت، واعتبر مقتله من أعظم المآسي التي شهدها التاريخ الإسلامي. كما انتقد بصورة
ضمنية السياسات الأموية التي أدت إلى وقوع الحادثة، وأبرز ما تعرض له الحسين
وأصحابه من حصار وقتل، مع التركيز على البعد الأخلاقي والإنساني للواقعة وآثارها
في المجتمع الإسلامي.
أما النقد الموجه إلى المسعودي
فيتمثل أساساً في اتهامه بالميل إلى التشيع أو بالتعاطف المفرط مع أهل البيت، وهو
ما جعل بعض الباحثين يرون أن روايته أقل حياداً من روايات الطبري أو البلاذري. كما
يُؤخذ عليه أنه لم يلتزم دائماً بذكر الأسانيد التفصيلية للأخبار، واعتمد أحياناً
على السرد التاريخي المباشر، الأمر الذي يصعّب التحقق من بعض الروايات من الناحية
النقدية. كذلك يرى بعض الدارسين أن المسعودي ركز على إبراز مظلومية الحسين أكثر من
اهتمامه بعرض وجهة نظر السلطة الأموية أو الظروف السياسية المعقدة التي أحاطت
بالأحداث.
ومع ذلك، يبقى المسعودي من أهم
المصادر الإسلامية المبكرة لدراسة كربلاء، وتكمن أهميته في أنه حفظ لنا رؤية
تاريخية تعكس جانباً مهماً من الوعي الإسلامي في القرن الرابع الهجري، ولذلك يعتمد
عليه الباحثون مع مقارنته بالمصادر الأخرى للوصول إلى صورة أكثر توازناً عن
الواقعة.
وبعد أكثر من ثلاثة قرون تناول عز
الدين ابن الأثير (ت 630هـ/1233م) الحادثة في كتابه "الكامل في
التاريخ"، معتمداً إلى حد كبير على الروايات التي حفظها الطبري ومن سبقه. وقد
وصف مقتل الحسين بأنه من أعظم المصائب التي نزلت بالمسلمين، وأظهر تعاطفاً صريحاً
معه ومع أهل بيته. ويلاحظ في عرضه للأحداث ميل إلى إبراز الجوانب الأخلاقية
للمأساة بصورة مؤثرة، مع تجنب إصدار أحكام عقدية حاسمة على يزيد بن معاوية، وإن
كان القارئ يستشف من سياق الرواية نقداً واضحاً للسياسات التي انتهت إلى مقتل سبط
النبي.
وفي القرن الثامن الهجري تناول
شمس الدين الذهبي (ت 748هـ/1348م) الواقعة في كتابيه: "تاريخ الإسلام"
و"سير أعلام النبلاء". وقد أكد الذهبي فضل الحسين ومكانته الرفيعة
باعتباره من سادات أهل الجنة، وعدّ مقتله من أعظم الكوارث في تاريخ الأمة. وكان
موقفه من يزيد موقفاً وسطاً؛ فهو لم يبرئه من المسؤولية السياسية والأخلاقية عما
جرى، لكنه لم يذهب إلى تكفيره أو إخراجه من الإسلام كما فعل بعض المتأخرين. كما
انتقد بشدة الاتجاهات المتطرفة التي نشأت لاحقاً حول كربلاء، سواء تلك التي بالغت
في إظهار الحزن بصورة تخالف الشرع من وجهة نظره، أو الاتجاهات التي أظهرت العداء
لأهل البيت. مع إخضاع الروايات التاريخية للنقد الحديثي ومحاولة التمييز بين
الاخبار الصحيحة والضعيفة.
أما إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت
774هـ/1373م)، فقد تأثر بأستاذه ابن تيمية. فهو يُعظّم الحسين ويترحم عليه، لكنه
يميل إلى رفض بعض الروايات التي تُحمّل يزيد المسؤولية المباشرة، ويؤكد أن الحسين
لم يخرج طلباً للدنيا بل استجابةً لما ظنه واجباً شرعياً وسياسياً، فأظهر احتراماً
كبيراً للحسين مع تجنب تحميل يزيد المسؤولية المباشرة إلا بما يثبت تاريخياً،
وانتقد بعض الروايات المناهضة للأمويين التي رأى أنها ضعيفة أو مبالغ فيها. فقد
تناول أحداث سنة 61هـ بتفصيل واسع في كتابه "البداية والنهاية". واعتمد
على الروايات المبكرة مع ممارسة قدر من النقد للأسانيد والمتون. وقد أكد منزلة
الحسين الدينية واعتبر مقتله مصيبة عظيمة أصابت المسلمين جميعاً، كما أظهر قدراً
من التحفظ تجاه بعض الروايات التي رأى أنها أضيفت إلى قصة كربلاء في مراحل لاحقة.
وفيما يتعلق بيزيد، لم يثبت ابن كثير اشتراكه المباشر في إصدار أمر القتل، لكنه
رأى أن ما جرى في عهده وما ترتب عليه من نتائج مأساوية يجعل سيرته موضع نقد شديد،
وهو موقف قريب من أستاذه الذهبي من ناحية المنهج الحديثي والنقد التاريخي.
أما ابن خلدون (ت 808هـ/1406م):
فقد تناول أحداث كربلاء من منظور سياسي واجتماعي. فقد رأى أن الحسين بن علي كان
محقاً في اجتهاده وقصده الإصلاحي، وأن مكانته الدينية وفضله لا خلاف عليهما، لكنه
اعتقد أن الحسين أخطأ في تقدير موازين القوى السياسية والعسكرية آنذاك. فبحسب ابن
خلدون كانت العصبية والقوة الفعلية تميل إلى جانب الدولة الأموية، في حين لم يكن
التأييد الذي تلقاه الحسين من أهل الكوفة كافياً لتحقيق أهدافه السياسية، الأمر
الذي أدى إلى انتهاء حركته بمأساة كربلاء سنة 61هـ/680م.
وقد انتقد عدد من مؤرخي وعلماء
الشيعة هذا الرأي، معتبرين أن ابن خلدون نظر إلى (الثورة الحسينية) من زاوية
سياسية بحتة، وأغفل بعدها الديني والأخلاقي. ورأوا أن الحسين لم يخرج اعتماداً على
ميزان القوة أو العصبية، بل خرج دفاعاً عن المبادئ الإسلامية ورفضاً لما اعتبره
انحرافاً في الحكم الأموي. لذلك اعتبروا أن تفسير ابن خلدون يقلل من البعد الرسالي
لثورة الحسين ويحولها إلى مجرد صراع سياسي تحكمه اعتبارات القوة والقبيلة. ومع
ذلك، يبقى رأي ابن خلدون من أشهر التفسيرات التاريخية والسياسية لواقعة كربلاء في
التراث الإسلامي.
ومن جانب آخر ينبغي التمييز بين
منظور المؤرخين والفقهاء أو علماء العقيدة. فمعظم المؤرخين المسلمين الكبار الذين
نقلوا أحداث كربلاء لم يصفوا خروج الحسين بن علي بأنه "تمرد" بالمعنى
السلبي الصريح، بل أبدوا تعاطفاً معه بدرجات متفاوتة؛ لذلك فإن العثور على مؤرخ مسلم
كبير يقول صراحة إن الحسين كان متمرداً أمر نادر. ومع ذلك، هناك عدد من العلماء
والفقهاء الذين مالوا ضمناً إلى تبرير موقف الدولة الأموية أو التقليل من مسؤولية
يزيد، انطلاقاً من حرصهم على مبدأ وحدة الجماعة ورفض الخروج المسلح على الحاكم.
من أبرز هؤلاء ابن العربي
المعافري (ت 543هـ/1148م) في كتابه "العواصم من القواصم". فقد ذهب إلى
أن الحسين خرج باجتهاده، لكنه أخطأ في تقدير الموقف السياسي، وأن الذين قاتلوه
كانوا يرون أنفسهم يدافعون عن الدولة القائمة. وتُنسب إليه العبارة الشهيرة:
"قُتل الحسين بسيف جده"، وإن كانت هذه العبارة مثار جدل في تفسيرها
وسياقها. ويُعد ابن العربي من أكثر الشخصيات السنية تعرضاً للنقد بسبب موقفه من
كربلاء. ثارت عبارة ابن العربي المعافري: "قُتل الحسين بسيف جده" جدلاً
واسعاً بين علماء المسلمين. وقد قصد بها ـ بحسب فهمه ـ أن الحسين خرج في ظرف سياسي
رأى ابن العربي أن النصوص الشرعية المتعلقة بوحدة الجماعة كانت تقتضي تجنبه، لا
أنه يستحق القتل أو أن قاتليه كانوا على حق.
لم تلقَ عبارة ابن العربي:
"قُتل الحسين بسيف جده" قبولاً لدى جمهور أهل السنة، بل تعرضت لانتقادات
واسعة من عدد من العلماء الذين رأوا أنها عبارة قاسية وغير موفقة في حق الحسين بن
علي رضي الله عنهما. وقد فُهم منها أن مقتل الحسين كان نتيجة تطبيق الأحكام
الشرعية المتعلقة بالإمامة والجماعة، وهو فهم رفضه كثير من العلماء لما يتضمنه من
إشكالات تتعلق بمكانة الحسين وفضله. ويجمع أهل السنة على أن الحسين سبط رسول الله (ص)
وسيد من سادات أهل الجنة، وأنه قُتل مظلوماً شهيداً في كربلاء. لذلك بقي رأي ابن
العربي اجتهاداً فردياً لم يتحول إلى موقف معتمد عند أهل السنة، الذين نظروا إلى
استشهاد الحسين بوصفه من أعظم المآسي التي شهدها التاريخ الإسلامي.
فيما كان احمد بن تيمية
(661-728هـ/1263-1328م) من أكثر العلماء المسلمين إثارةً للجدل في موضوع كربلاء،
بسبب موقفه الذي حاول فيه الجمع بين تعظيم مكانة الحسين بن علي ونقد النتائج
السياسية لخروجه على يزيد بن معاوية. فقد أكد ابن تيمية في كتابه "منهاج
السنة النبوية" أن الحسين من سادات أهل الجنة، وأنه قُتل مظلوماً شهيداً، وأن
قتله من أعظم الجرائم التي وقعت في تاريخ الإسلام. كما أظهر احتراماً كبيراً لأهل
البيت ورفض ما صدر عن بعض النواصب من إساءة إليهم. لكنه في المقابل رأى أن خروج
الحسين لم يؤدِّ إلى المصلحة التي كان يرجوها، بل ترتبت عليه مفاسد عظيمة وسفك
للدماء، وأن أهل الكوفة الذين دعوه ثم خذلوه كانوا السبب المباشر في وقوع المأساة.
كما أعلن عن رفضه لبعض المبالغات في روايات كربلاء؛ ومن هذا المنطلق اعتبر ابن
تيمية أن اجتهاد الحسين كان اجتهاداً مشروعاً من حيث النية والقصد، لكنه لم يحقق
النتائج السياسية المرجوة بسبب اختلال موازين القوى وضعف الأنصار.
أما فيما يتعلق بيزيد بن معاوية،
فقد اتخذ ابن تيمية موقفاً وسطاً؛ فلم يعدّه إماماً مثالياً، ولم يبرئه من
المسؤولية السياسية عما جرى في عهده، لكنه رفض تكفيره أو لعنه على وجه التعيين،
كما رفض الروايات التي تذكر أنه أمر مباشرة بقتل الحسين ما لم تثبت بأدلة صحيحة.
ولذلك كان موقفه مختلفاً عن الموقف الشيعي التقليدي الذي يحمل يزيد مسؤولية كبرى
عن أحداث كربلاء.
وقد تعرض ابن تيمية لانتقادات
شديدة من علماء الشيعة الذين رأوا أنه ركز على النتائج السياسية (للثورة الحسينية)
أكثر من تركيزه على أهدافها الدينية والأخلاقية. واعتبروا أن وصفه خروج الحسين
بأنه اجتهاد لم يحقق المصلحة يقلل من البعد الرسالي لها، التي يرونها حركة إصلاح
ديني وموقفاً مبدئياً ضد الظلم، لا مشروعاً سياسياً يُقاس بمعايير النجاح والفشل
العسكري. كما انتقدوا رفضه لعن يزيد وعدّوا ذلك نوعاً من التساهل مع السلطة
الأموية.
ومع ذلك، فإن القراءة الدقيقة
لنصوص ابن تيمية تظهر أنه لم يكن معادياً للحسين ولا مدافعاً عن قتله، بل أكد
مراراً مظلوميته وفضله واستحقاقه للمحبة والتوقير؛ غير أن منهجه في تفسير الأحداث
التاريخية كان مختلفاً عن المنهج الشيعي؛ إذ نظر إلى كربلاء من زاوية المصلحة
السياسية ووحدة الجماعة الإسلامية، في حين ركزت الكتابات الشيعية على البعد
العقائدي والأخلاقي والرمزي للواقعة. ولهذا ظل موقف ابن تيمية من الحسين وكربلاء
أحد أكثر الموضوعات إثارة للنقاش في الجدل السني الشيعي حتى العصر الحديث.
ومن خلال هذا التسلسل التاريخي
يتضح أن المؤرخين المسلمين اختلفوا في مقدار تعاطفهم مع أهل البيت وفي تقييمهم
لمسؤولية يزيد والدولة الأموية، لكنهم يكادون يجمعون على أن مقتل الحسين في كربلاء
كان من أعظم المآسي في التاريخ الإسلامي. كما تكشف كتاباتهم أن صورة كربلاء لم تبق
مجرد حدث عسكري وقع سنة 61هـ/،680م بل تحولت مع مرور الزمن إلى رمز ديني وأخلاقي
وسياسي ظل حاضراً في الذاكرة الإسلامية حتى يومنا هذا.
ومن خلال استعراض هذه الروايات
المتعاقبة يتضح أن المؤرخين المسلمين، على اختلاف بيئاتهم الفكرية ومناهجهم
التاريخية، أجمعوا على أن مقتل الحسين بن علي في كربلاء كان حادثة مأساوية كبرى في
تاريخ الإسلام. وقد اختلفوا في مقدار المسؤولية التي يتحملها يزيد بن معاوية، وفي
درجة التركيز على البعد السياسي أو الديني للواقعة، لكنهم اتفقوا على تعظيم مكانة
الحسين واستنكار ما وقع عليه وعلى أهل بيته. كما تكشف هذه الروايات عن تطور
الكتابة التاريخية الإسلامية من السرد السياسي المبكر عند البلاذري والدينوري إلى
المعالجة الأخلاقية والعقدية الأوسع عند الذهبي وابن كثير، مع بقاء كربلاء حدثاً
مركزياً في الذاكرة الإسلامية عبر القرون.
ولو أُعيد ترتيب المؤرخين زمنياً
لكان التسلسل على النحو الآتي:
ابو مخنف لوط بن يحيى (ت
157هـ/774م).
ابن سعد (ت 230هـ/845م).
خليفة بن خياط (ت 240هـ/854م).
أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279هـ/
892م).
ابن قتيبة الدينوري (ت
276هـ/889م).
أبو حنيفة الدينوري (ت 282هـ/
895م).
أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي (ت
نحو 284هـ/ 897م).
محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ/
923م).
ابن اعثم الكوفي(ت نحو
314هـ/926م).
المسعودي (ت 346هـ/957م).
عز الدين ابن الأثير (ت 630هـ /
1233م).
شمس الدين الذهبي (ت 748هـ /
1348م).
ابن كثير الدمشقي (ت 774هـ /
1373م).
ابن خلدون (ت 808هـ/1406م).

.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)
