تمر سوريا اليوم بمرحلة مفصلية
ستحدد ملامح الدولة لعقود قادمة، فبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام وسقوط
النظام السابق، كان السوريون يتطلعون إلى بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة
وسيادة القانون والتعددية السياسية والثقافية.
إلا أن المشهد الراهن يثير
تساؤلات جدية حول الاتجاه الذي تسير فيه مؤسسات الدولة، في ظل تزايد حضور الخطاب
الديني داخل قطاعات التعليم والإدارة والثقافة والشأن الاجتماعي، الأمر الذي يدفع
إلى التساؤل هل تتجه سوريا نحو دولة مدنية تتسع لجميع أبنائها، أم نحو دولة تتبنى
رؤية دينية أكثر تشدداً في إدارة المجتمع ومؤسساته؟.
إن أي دولة تسعى إلى تحقيق
الاستقرار تحتاج إلى مؤسسات حيادية تمثل جميع المواطنين دون تمييز، لأن المدرسة
والجامعة والمؤسسة الثقافية والإدارة الحكومية ليست أدوات لنشر أيديولوجية معينة،
بل هي مؤسسات وطنية يفترض أن تعكس التنوع الاجتماعي والثقافي والديني الذي تتميز
به سوريا. وعندما تصبح هذه المؤسسات خاضعة لرؤية فكرية أو دينية واحدة، فإن ذلك
يثير مخاوف شرائح واسعة من المجتمع بشأن مستقبل الحريات العامة وحقوق المواطنة.
ويبدو أن أخطر ما في هذا التحول
هو تأثيره على قطاع التعليم، لأن المناهج الدراسية لا تقتصر على نقل المعرفة، بل
تصنع وعي الأجيال القادمة وتحدد نظرتها إلى المجتمع والدولة. فإذا تم توجيه
العملية التعليمية وفق منظور ديني ضيق أو إقصائي، فإن ذلك قد ينعكس على مفهوم
المواطنة والتعددية، ويؤدي إلى إنتاج أجيال تنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً
بدلاً من اعتباره مصدر غنى للمجتمع.
ولا يقتصر الأمر على التعليم، بل
يمتد إلى الحياة الاجتماعية والثقافية، حيث تشكل الثقافة والفنون والإعلام فضاءات
للتعبير الحر وتبادل الأفكار. وعندما تُفرض قيود أيديولوجية على هذه المجالات،
فإنها تفقد دورها في بناء مجتمع منفتح وقادر على استيعاب التنوع. فالمجتمعات التي
تزدهر هي تلك التي تفسح المجال للنقاش والإبداع، وليس تلك التي تحصر المجال العام
في رؤية واحدة مهما كانت مرجعيتها.
أما على المستوى الإداري، فإن
نجاح الدولة الحديثة يعتمد على الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون، وليس على
الانتماءات الفكرية أو الدينية. وإذا أصبحت الوظيفة العامة مرتبطة بالولاء
الأيديولوجي أكثر من ارتباطها بالكفاءة، فإن ذلك سيضعف مؤسسات الدولة ويقوض ثقة
المواطنين بها، ويعيد إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء التي عانت منها سوريا طوال
عقود.
كما أن هذا المسار يثير قلق
العديد من المكونات القومية والدينية، وفي مقدمتها الكورد والمسيحيون والدروز
والعلويون والإسماعيليون وغيرهم، الذين ينظرون إلى الدولة المدنية بوصفها الضمانة
الأساسية للمساواة وحماية الحقوق. فهذه المكونات لا تخشى الدين بحد ذاته، وإنما
تخشى أن تتحول الدولة إلى أداة لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد الهويات والثقافات.
وفي الوقت نفسه، فإن المجتمع
الدولي يراقب طبيعة التحولات داخل سوريا، لأن مستقبل العلاقات السياسية
والاقتصادية مع العالم سيكون مرتبطاً إلى حد كبير بمدى التزام الدولة الجديدة
بمبادئ حقوق الإنسان والتعددية والحريات العامة وسيادة القانون. ولذلك فإن أي
انطباع بأن سوريا تتجه نحو التشدد أو تضييق مساحة الحريات قد يؤثر في فرص إعادة
الإعمار وجذب الاستثمارات واستعادة العلاقات الطبيعية مع كثير من الدول.
ولا بد من التمييز بين احترام
الدين بوصفه مكوناً أساسياً من هوية المجتمع السوري، وبين تحويل مؤسسات الدولة إلى
مؤسسات ذات طابع ديني أو أيديولوجي. فالدولة المدنية لا تعادي الدين، كما أن
التدين لا يتعارض مع قيم الديمقراطية إذا بقي ضمن الإطار المجتمعي ولم يتحول إلى
معيار لإدارة الدولة أو تحديد حقوق المواطنين.
إن مستقبل سوريا لن يقاس
بالشعارات، بل بطبيعة المؤسسات التي ستبنى خلال المرحلة المقبلة. فإذا نجحت في
تأسيس دولة تحترم التعددية وتساوي بين جميع المواطنين بصرف النظر عن دينهم أو
قوميتهم أو انتمائهم الفكري، فإنها ستضع الأساس لاستقرار دائم.
أما إذا اتجهت نحو احتكار الهوية
السياسية أو الثقافية أو الدينية، فإنها قد تدخل في مرحلة جديدة من الانقسامات
والصراعات، وهو ما لا يحتمله بلد أنهكته سنوات الحرب. لذلك فإن الرهان الحقيقي
اليوم ليس على انتصار فكر على آخر، بل على بناء دولة تتسع للجميع، يكون فيها
القانون هو المرجعية العليا، وتكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، بما يحفظ
وحدة سوريا ويصون تنوعها التاريخي والإنساني.



