ارتبطت نشأة المدن الكوردية
بمجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية التي أسهمت في انتقال التجمعات السكانية من
مرحلة القرى الزراعية الصغيرة إلى مرحلة المراكز الحضرية المتطورة. وقد تميزت
كوردستان بطبيعتها الجبلية ووفرة مواردها المائية ووقوعها على طرق المواصلات
والتجارة التي ربطت بين بلاد الرافدين وإيران والأناضول والشام، الأمر الذي جعلها
بيئة مناسبة لظهور الاستيطان البشري منذ أقدم العصور.
بدأت النواة الأولى للعديد من
المدن الكوردية على شكل قرى زراعية استقرت بالقرب من مصادر المياه والأراضي
الخصبة. وكانت هذه القرى تعتمد بصورة رئيسة على الزراعة وتربية الماشية، ومع
ازدياد عدد السكان وتوسع النشاط الاقتصادي أخذت تكتسب وظائف جديدة تتجاوز حدود
الإنتاج الزراعي. وقد أدى نمو المبادلات التجارية بين القرى والمناطق المجاورة إلى
ظهور الأسواق المحلية التي أصبحت مراكز لتجمع السكان والحرفيين والتجار.
وفي مراحل لاحقة، لعبت القلاع
والحصون دوراً محورياً في عملية التحضر. فبحكم طبيعة كوردستان الجبلية وكثرة
الصراعات السياسية والعسكرية، اتجه السكان إلى بناء القلاع في المواقع المرتفعة
لتوفير الحماية والأمن. ومع مرور الزمن أصبحت هذه القلاع مراكز للإدارة والحكم
ومقراً للأمراء والحكام المحليين، مما أدى إلى استقرار السكان في محيطها ونشوء
أحياء سكنية وأسواق ومرافق خدمية حولها؛ وهكذا تحولت القلعة إلى نواة حضرية جذبت
الأنشطة الاقتصادية والبشرية المختلفة.
كما أسهمت الإمارات الكوردية التي
ظهرت خلال العصور الإسلامية في تعزيز مكانة العديد من المدن. فقد اهتم الحكام
المحليون بتشييد المساجد والمدارس والخانات والحمامات والأسواق، فضلاً عن تحصين
المدن وتطوير مرافقها العامة. وأدى ذلك إلى نمو الوظائف الإدارية والدينية
والتجارية للمدينة، وتحولها إلى مركز يستقطب السكان من المناطق الريفية المجاورة.
ولم يكن العامل السياسي وحده
مسؤولاً عن نشأة المدن الكوردية، بل ساهم الموقع الجغرافي أيضاً في تعزيز دور بعض
المراكز الحضرية. فالمدن الواقعة على الطرق التجارية الرئيسة، مثل: أربيل ودهوك
وزاخو والعمادية وكركوك، وكرمنشاه، واورميه، وبدلس، وآمد، ووان استفادت من حركة
التجارة والقوافل العابرة للمنطقة، الأمر الذي أدى إلى ازدهار أسواقها وزيادة عدد
سكانها وتوسع عمرانها.
ومع تطور الحياة الاقتصادية
والاجتماعية، أخذت المدن الكوردية تكتسب خصائص حضرية واضحة تمثلت في وجود الأسواق
المتخصصة والأحياء السكنية والمؤسسات الدينية والإدارية، فضلاً عن تنوع الأنشطة
المهنية والحرفية. وبذلك انتقلت هذه المراكز تدريجياً من كونها قرى أو تجمعات
سكانية محصنة حول القلاع إلى مدن تؤدي وظائف سياسية واقتصادية وثقافية ودينية
متعددة.
وعليه، فإن نشأة المدن الكوردية
لم تكن حدثاً مفاجئاً، بل عملية تاريخية طويلة معقدة نتجت عن تفاعل عوامل جغرافية
واقتصادية وعسكرية وسياسية متشابكة؛ فقد شكلت القرية الزراعية والقلعة العسكرية
الأساس الأول لنشوء العديد من المدن، قبل أن تتطور مع الزمن إلى مراكز حضرية
وادارية وسياسية لعبت دوراً مهماً في تاريخ كوردستان وحضارتها.
وتُظهر التجربة التاريخية
للإمارات الكوردية أن العديد من المدن الكوردية نشأت وتطورت حول قلاع وحصون ومراكز
حكم محلية، ثم تحولت تدريجياً إلى مراكز حضرية ذات وظائف سياسية واقتصادية وثقافية
واجتماعية.
تُعدّ الإمارات الكوردية في
العصور الإسلامية التي كان قسم منها اتخذ اسم دولة أو مملكة باجماع العديد من
المصادر الاسلامية الاساسية، والتي تجاوزت الخمسين من أبرز الكيانات السياسية التي
أسهمت في تشكيل البنية التاريخية والحضارية لكوردستان، وقد تميزت بتعددها وتنوع
أقاليمها وامتدادها الزمني الذي شمل مراحل مختلفة من التاريخ القديم والوسيط
والحديث، واستقر قسم منها خارج كوردستان الام كالدولة الايوبية في قلب الشرق
الاوسط الحالي والزندية في غالبية الهضبة الايرانية، وامارات زعفرانلو وشدانلو في
خراسان شرق ايران على حدود تركمنستان وافغانستان. ويمكن ترتيب هذه الإمارات زمنياً
بما يعكس تطور السلطة السياسية الكوردية وتوزعها الجغرافي.
ففي المرحلة الإسلامية المبكرة
برزت إمارة الحسنويه (القرن العاشر - الحادي عشر الميلادي) في منطقة جبال زاكروس،
واتخذت من مناطق لورستان وهمدان مركزاً لها، وقد عُرفت بقوتها العسكرية ونفوذها
المحلي. وفي الفترة نفسها تقريباً ظهرت إمارة العنازية التي امتدت من شرق كوردستان
الى مناطق شهرزور واطرافها ، إضافة إلى إمارة الهذبانية التي لعبت دوراً مهماً في
منطقة أربيل وما حولها، وأسهمت في ترسيخ الاستقرار السياسي في غالبية كوردستان
الجنوبية وغربها.
وفي القرنين العاشر والحادي عشر
الميلاديين أيضاً برزت إمارة الشدادية التي اتخذت من أران (= القوقاز واذربيجان)
وأرمينيا مركزاً لها، وتميزت بقدرتها على إدارة مناطق واسعة متعددة القوميات،
فضلاً عن إمارة الروادية التي سيطرت على أجزاء واسعة من أذربيجان. كما ظهرت في
حسنكيفا الامارة الدوستكية بقيادة باد بن دوستك الامير العصامي الشجاع الذي دوخ
الدولة البويهية وسيطر على الموصل. فضلاً عن إمارة المروانيين (990–1085م) التي
اتخذت من ميافارقين مركزاً لها، وامتد نفوذها الى مناطق واسعة من شمال كوردستان
وامتازت بازدهارها العمراني والعلمي واستقرارها السياسي وعلاقاتها الدبلوماسية
المتوازنة مع الدول: العباسية والفاطمية والبيزنطية والبويهية، وكانت تسك عملتها،
كأنها دولة قائمة بحد ذاتها (= حكم كونفيدرالي).
أما في العصور الإسلامية المتأخرة
(= العثمانية)، فقد استمرت الكيانات السياسية الكوردية في إطار أكثر تنظيماً، حيث
ظهرت حوالي 30 امارة كوردية عقب اتفاقية مولانا ادريس البدليسي – السلطان سليم سنة
1515م عقب معركة جالديران سنة1514م في رواية، او بعد صدور مرسوم السلطان سليمان
القانوني سنة 1534م في رواية أخرى. ومن أبرزها إمارة بهدينان (القرن الثالث عشر - التاسع
عشر) التي اتخذت من آميدى (العمادية) عاصمة لها، وانتازت بالعديدمن المدارس
والمساجد لاسيما منارتها الشهيرة القائمة من أكثر من 500 عام، ومدرسة قوبهان (أزهر
الكورد). وعلى غربيها ظهرت امارة بوتان التي كانت جزيرة بوتان عاصمة لها، وكان
عصرها الذهبي ايام حكم بدرخان باشا. وامارة هكاري المنيعة التي اتخذت من مدينة
جولميرك المحاطة بالجبال الشاهقة عاصمة لها، وكانت سداً منيعاً امام هجمات الغز
والمغول على الوطن الكوردي، كما لا يمكن بخس إمارة سوران التي ازدهرت من الناحية
العلمية والعسكرية في رواندوز خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إضافة إلى
إمارة بابان التي اتخذت من السليمانية عاصمة لها منذ تأسيسها سنة 1784م، وقد لعبت
دوراً مهماً في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في جنوب كوردستان. كما لا
يمكن نسيا امارة اردلان التي كانت عاصمتها مدينة سنندج الجميلة، وحكمت حقبة طويلة
وكانت آخر امارة كوردية سقطت بحلول العقد السابع من القرن التاسع عشر.
وتشير هذه الإمارات مجتمعة إلى أن
النظام السياسي الكوردي لم يكن نظاماً مركزياً ثابتاً، لاسباب عديدة منها الموقع
الجغرافي والصراعات الاقليمية والدولية على كوردستان. بل كان قائماً على وحدات
إقليمية متداخلة ارتبطت ادارياً (= الفيدراسيون) أي التحول من نطاق القبيلة
والعشيرة الى اتحادات ادارية ذات طابع حضري ارتبطت بالموقع الجغرافي والظروف
العسكرية والاقتصادية، وأسهمت في نشوء مراكز حضرية تحولت لاحقاً إلى مدن كوردية
مهمة ما تزال قائمة حتى اليوم.
ومن أبرز هذه النماذج الحية الى
الوقت الحاضر مدينة أربيل (هولير) نموذجاً آخر للمدينة الكوردية التاريخية، حيث
تشكلت حول قلعتها الشهيرة التي تُعد من أقدم المواقع المأهولة في العالم. وقد أسهم
موقعها الاستراتيجي على الطرق التجارية بين بلاد الرافدين وإيران والأناضول في
ازدهارها الاقتصادي وتحولها إلى مركز حضري مهم خلال مختلف العصور، والى أن أصبحت
احدى اجمل مدن الشرق الاوسط من ناحية
التطور العمراني والاقتصادي باعتبارها عاصمة لاقليم كوردستان العراق.
كما تمثل منطقة زاخو، بسبب موقع
المدينة على ضفاف نهر الخابور وقربها من طرق التجارة الدولية في نموها التدريجي من
تجمع سكاني صغير إلى مركز تجاري وإداري بارز، ولاسيما خلال عهد إمارة بهدينان. وقد
أدى ازدهار الحركة التجارية إلى توسع الأسواق والأحياء السكنية فيها.
أما مدينة السليمانية فتعد مثالاً
مختلفاً نسبياً، إذ نشأت في أواخر القرن الثامن عشر على يد الأمير الكوردي إبراهيم
باشا بابان سنة 1784م تقريباً، لتكون عاصمة جديدة لإمارة بابان. وقد أُنشئت وفق
رؤية سياسية وإدارية واضحة، وتحولت خلال فترة قصيرة إلى مركز ثقافي وتجاري مهم في
جنوب كوردستان.
ومن النماذج الأخرى مدينة رواندوز
التي ازدهرت في عهد إمارة سوران خلال القرن التاسع عشر، حيث استفادت من موقعها الجبلي
الاستراتيجي ومن دورها العسكري والإداري، مما جعلها مركزاً سياسياً واقتصادياً
مؤثراً في المنطقة. كما برزت مدينة عقرة(ئاكرى) بوصفها مركزاً عمرانياً ارتبط
بالطرق التجارية وبالدور الإداري الذي أدته ضمن مناطق نفوذ الإمارات الكردية
المختلفة.
وتوضح هذه النماذج أن نشأة المدن
الكوردية ارتبطت غالباً بثلاثة عناصر رئيسة:
1-القلعة بوصفها مركزاً للدفاع
والحكم.
2-السوق بوصفه مركزاً للنشاط
الاقتصادي.
3- الموقع الجغرافي
الذي وفر شروط الاستقرار والتواصل التجاري.
ومن خلال تفاعل هذه العناصر تطورت
القرى والقلاع والتجمعات السكانية الصغيرة إلى مدن حضرية لعبت أدواراً سياسية
واقتصادية وثقافية بارزة في تاريخ كوردستان الحديث والمعاصر.



.jpg&w=3840&q=75)