في لقاء جمعني مع رئيس الوزراء السابق قلت له ممازحاً وفي الكلام شيء من الجدية: لقد ندمت على أنني طبعت كتاب “ثقافة الإلغاء” قبل سنتين، فلو تأخر صدوره إلى اليوم لوجدت في الواقع العراقي وما تعرضت له مادة إضافية تكفي لفصول جديدة كاملة.
انتباهي لهذه الظاهرة أو الثقافة كفكرة ترافقني كلما تابعت سجالاً سياسياً أو حملة إلكترونية أو موجة من الاتهامات التي تجتاح المشهد العام ثم تختفي لتحل محلها موجة أخرى.
ولم يكن المقصود شخصاً بعينه، فالرجل مجرد مثال من أمثلة كثيرة شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة، طالت سياسيين وإعلاميين وأكاديميين وناشطين وشخصيات اجتماعية مختلفة.
بعض تلك الحالات استند إلى نقد مشروع ومساءلة حقيقية وهو أمر طبيعي وصحي في أي نظام ديمقراطي، فيما حمل بعضها الآخر سمات ظاهرة مختلفة تقوم على نزع الشرعية عن الشخص نفسه ومحاولة إقصائه من المجال العام وتحويله إلى هدف دائم للهجوم والتجريم الاجتماعي وهي الظاهرة التي باتت تُعرف عالمياً بـ”ثقافة الإلغاء”.
ومن المهم هنا التمييز بين المساءلة والإلغاء، فالمساءلة حق ديمقراطي أصيل، يقوم على محاسبة المسؤول أو السياسي أو المؤسسة على قراراتها وأدائها ونتائج أعمالها.
أما الإلغاء فيتجاوز نقد الفعل إلى استهداف الفاعل نفسه ويتحول من مناقشة القرار إلى السعي لإسقاط الشخص معنوياً وتجريده من أي شرعية أو حق في المشاركة بالنقاش العام، بغض النظر عن الوقائع أو إمكان التصحيح أو حتى حق الدفاع.
التنافس السياسي في جوهره ظاهرة صحية، فالديمقراطية تقوم على تعدد الآراء وتنوع البرامج وتنافس الرؤى التي تمكّن المواطن من الاختيار بين مشاريع مختلفة والأحزاب تتنافس لإقناعه بقدرتها على إدارة الدولة وتحسين حياته.
غير أن جزءاً من المشهد العراقي أخذ يتجه خلال السنوات الأخيرة نحو مسار مختلف، إذ تحولت بعض المنافسات من مناقشة البرامج إلى استهداف الأشخاص ومن نقد الأداء إلى محاولة تحطيم الخصم سياسياً أو اجتماعياً.
هذا التحول لم يأت من فراغ، فالعراق يعيش تجربة ديمقراطية لا تزال فتية قياساً بعمر الديمقراطيات الراسخة، بعد عقود طويلة من الحروب والصراعات والعقوبات والانقسامات السياسية والاجتماعية.
كما أن ضعف الثقة بالمؤسسات وارتفاع مستويات الاستقطاب وتداخل الإعلام بالسياسة أو العكس، جميعها عوامل ساهمت في خلق بيئة أكثر قابلية لتصاعد الإلغاء السياسي بمختلف أشكاله.
ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي دخل عامل جديد غيّر قواعد المشهد العام بصورة غير مسبوقة.
فبعد أن كانت صناعة الرأي العام تحتاج إلى مؤسسات إعلامية كبيرة تمتلك القدرة على الوصول والتأثير، أصبح بالإمكان إطلاق موجة واسعة من التفاعل عبر منشور أو صورة أو مقطع قصير يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات قليلة.
وهنا تمثل وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لتسريع انتشارها وتضخيم آثارها، فالمنصات الرقمية تمنحه سرعة وانتشاراً لم تعرفهما المجتمعات سابقاً وتجعل ردود الفعل الجماعية أكثر قدرة على التأثير في المجال العام.
وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً مع اتساع الحضور اليومي للأفراد في الفضاء الرقمي، فجزء كبير من الحياة الاجتماعية والإعلامية والسياسية بات يُدار عبر الشاشات والمنصات الإلكترونية وأصبحت متابعة الأحداث والتفاعل معها نشاطاً يومياً لملايين الأشخاص، الأمر الذي يمنح القضايا المثيرة للجدل قدرة أكبر على الانتشار والتضخم خلال فترات زمنية قصيرة.
في هذه البيئة قد تتحول شائعة إلى قضية رأي عام خلال ساعات وقد يُدان شخص أو مؤسسة قبل اكتمال المعلومات المتعلقة بهما، فتتقدم الانطباعات على الوقائع وتصبح سرعة التفاعل أحياناً أكبر من سرعة التحقق، ويتحول الضجيج الرقمي إلى عنصر مؤثر في تشكيل المواقف العامة.
آثار هذه الظاهرة وان كانت تتمثل بطابع شخصي غالباً لكنها تمتد إلى عملية صناعة القرار نفسها.
المسؤول الذي يدرك أن أي قرار قد يتحول خلال ساعات إلى مادة لحملة إلكترونية واسعة يبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة، وبدلاً من أن يقتصر السؤال على ما إذا كان القرار يحقق المصلحة العامة، يظهر سؤال آخر يتعلق بحجم ردود الفعل المتوقعة وكيفية استقبال القرار في الفضاء الرقمي.
السياسي أو المسؤول هو جزء من المجتمع والإصغاء له جزء أساسي من العمل الديمقراطي، غير أن المشكلة تظهر عندما تتحول ردود الفعل الآنية إلى عامل ضاغط يتجاوز وزنها الحقيقي في عملية صنع السياسات وعندما يصبح الخوف من الهجوم الإلكتروني مساوياً أو أكبر من الخوف من فشل المشروع نفسه.
عند هذه النقطة قد يفقد القرار جزءاً من استقلاله المهني ويجد المسؤول نفسه منشغلاً بإدارة صورته العامة بقدر انشغاله بإدارة المؤسسة التي يقودها.
وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل قرارات ضرورية أو تجنب إصلاحات مهمة أو التردد في تبني خيارات تحتاجها الدولة على المدى البعيد لكنها لا تحظى بشعبية فورية.
لذا اصبح شائعاً تأثر تلك القرارات بحجم التفاعل الرقمي أكثر من تأثرها بنتائج الدراسات أو التقديرات المهنية، الأمر الذي يدفع كثيراً من الساسة إلى التفكير بمنطق الدورة الإعلامية القصيرة بدلاً من التفكير بمنطق التخطيط الإستراتيجي طويل الأمد.
ويمتد الأثر إلى الكفاءات المحتملة أيضاً، فعندما يرى الأكاديمي أو الخبير أو المهني حجم الاستهداف الشخصي الذي قد يتعرض له من يتولى موقعاً عاماً، قد يفضل البقاء بعيداً عن المسؤولية التنفيذية وهنا تخسر الدولة خبرات هي بأمس الحاجة إليها بسبب ارتفاع الكلفة الشخصية والاجتماعية للعمل العام.
وهكذا تنشأ بيئة سياسية قصيرة النظر، تنجذب إلى المكاسب السريعة وتتردد أمام القرارات التي تحتاج إلى وقت كي تظهر نتائجها.
ومع تراكم هذه الممارسات يصبح الترند شريكاً غير معلن في صناعة السياسات العامة، لا لأنه يمتلك الشرعية الدستورية أو المسؤولية القانونية، وإنما بسبب قدرته على التأثير في المزاج العام وصناعة الضغوط اللحظية.
ومع ذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا تعني الدعوة إلى الحد من حرية التعبير أو تقييد النقد، فالمجتمعات الديمقراطية تحتاج إلى الرقابة الشعبية والمساءلة المستمرة وكشف الفساد واجب وطني ومحاسبة المقصرين ضرورة لا غنى عنها.
ويبقى الفرق واضحاً بين نقد القرار ومحاولة إلغاء صاحبه وبين مساءلة المسؤول والسعي إلى إخراجه نهائياً من دائرة النقاش العام.
إن أخطر ما في تنامي الإلغاء السياسي أنه يحول النقاش من البحث عن أفضل الحلول إلى البحث عن أكثر الخصوم قابلية للاستهداف، وعندما يحدث ذلك تتراجع جودة الحوار العام، وتضعف قدرة المؤسسات على العمل بهدوء واستقرار ويصبح القرار أكثر هشاشة أمام موجات الانفعال الجماعي.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على التصفيق الدائم ولا على الإلغاء الدائم، وإنما على توازن دقيق بين المساءلة والاستقرار وبين النقد والإنصاف وبين حرية التعبير واحترام الحقائق.
وكلما اقترب المجتمع من هذا التوازن ازدادت قدرته على إنتاج قرارات أكثر رشداً واستدامة.
أما حين يخاف السياسي من الترند أكثر مما يخاف من فشل المشروع، فإن القرار يصبح أسير لحظة عابرة في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى رؤية تمتد لسنوات لا إلى ساعات.
*كاتب وباحث في الشأن العراقي


