أسفر عقد الجلسة البرلمانية الحاسمة في إقليم كوردستان عن أزمة سياسية – برلمانية متعددة المسارات... ولابد، وهو أمر شبه مؤكد، أن الأطراف السياسية، وخاصة الرئيسية - الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، لابد أن يكون لديهم خطط واضحة لإدارة هذه الأزمة ومواجهتها بحسب توجهات كل طرف.
بالمقابل، يبقى الفاعل الإعلامي هو المهم جداً، إذ يتطلب من وسائل الإعلام في مواجهة وإدارة الأزمات السياسية أن لا يكونوا فقط "ناقل محايد" للأحداث والأخبار، بل عليه مسؤولية كبيرة ويتحمل واجباً أخلاقياً ووطنياً في خفض التوتر، والتركيز على فتح قنوات التواصل، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى نزاعات مدمرة، والتركيز على المشتركات والمخرجات التي تؤدي إلى إدارة الأزمة بشكل سليم... بعيداً عن التصعيد والمهاترات وتقديم الأخبار والتقارير بأسلوب تحيزي ولغة تصعيدية استعلائية.
تخبرنا النظريات الإعلامية والأسس المهنية للإعلام أثناء الأزمات، أنه عندما يكون هناك أزمة سياسية أو حالة من الجمود السياسي والبرلماني الطارئة، تتطلب أن يكون لوسائل الإعلام موقفاً مهماً يستند على ضرورة عدم التهويل والتصعيد والبحث عن الإثارة المؤدية إلى تباعد المواقف... لأن السجالات البرلمانية حالة صحية سياسية ولا يجب على الإعلام أن يبحث عن فرص التصعيد وإبراز المواقف التي تصنع العداء وتوسع من فجوة الخلافات.
لذلك يتطلب أن تكون وسائل الإعلام حذرة من ضرورة الالتزام بالحيادية والتوازن والبحث عن فرص الحلول والمشتركات التي تؤدي إلى إدارة الأزمة بالشكل السليم، وأن تساعد الأطراف السياسية في بناء جسور التواصل عبر البرامج الحوارية الهادفة والأسئلة التفاعلية التي تبحث عن بناء فرص التواصل للخروج من الأزمة بالحلول الممكنة، وليس تصعيد الأزمة وتشتيتها وإدخال سجالات (من خارج السياق تؤدي إلى مزيد من الفرقة والتقسيم وتفتيت السلم الأهلي).
يتطلب من وسائل الإعلام في إقليم كوردستان – بمختلف تفرعاتها وصنوفها – أن تساهم في أنسنة القضايا والخلافات والعمل وفق سياق أسس الصحافة البرلمانية التي تعتمد على بناء القصص والتقارير والبرامج الحوارية على ضوء الدستور والقوانين المعمول بها، لكي تصبح عاملاً مساعداً لتحقيق السلام وإدارة الأزمة بعيداً عن التوجهات الشخصية والانتماءات الضيقة واستخدام الرسائل الإعلامية للانتقام والتشهير وعدم ترديد السرديات السلبية ونشر الأخبار والتقارير التي تحاول زرع الفتنة واستهداف أمن واستقرار الإقليم.
إقليم كوردستان الآن أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى إعلام يساهم في بناء الاستقرار وتعزيز قيم المواطنة بعيداً عن تعزيز خطابات التحريض على الكراهية، لكي يثبت دوره الإيجابي البناء المؤدي إلى التعامل مع الأحداث بحرص وتفانٍ عالي المهنية، وعلى المراسلين الصحفيين ومعدي البرامج الإخبارية والمذيعين أقصى درجات الالتزام بالأسس المهنية وتجنب الاعتماد على الأخبار والتقارير المفبركة أو إعادة نشرها بصور أخرى بقصد الاستهداف والإساءة، لأنه أي خطأ قد يؤدي إلى الاحتقان والتوتر الذي لا سامح قد يتحول إلى أزمة أكبر يصعب إدارتها وحلها.
خضر دوملي – باحث ومستشار ومدرب إعلامي

.jpg&w=3840&q=75)

