تمثل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق، ولقاؤه مع الرئيس أحمد الشرع، فرصة لإعادة صياغة العلاقات بين البلدين على أسس احترام السيادة والمصالح المشتركة، والانتقال من التنسيق السياسي والأمني إلى شراكة اقتصادية استراتيجية. وتكتسب الزيارة أهميتها من التحولات الإقليمية وحاجة بغداد ودمشق إلى تفاهمات عملية تترجم المصالح المشتركة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
المصالح تتقدم على الخلافات
تتطلب العلاقات العراقية السورية الفصل بين المواقف السياسية من القيادة السورية الجديدة والمصالح الاستراتيجية للدولة العراقية. ورغم تحفظات بعض القوى السياسية على التحولات في سوريا، فإن المصالح الوطنية تستدعي تطوير العلاقات الرسمية وفق مبدأ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ويشكل استقرار سوريا مصلحة مباشرة للعراق، ما يستدعي تفاهمات سياسية داخلية تضمن استمرارية التعاون بعيداً عن التجاذبات، وتوفر أرضية مستقرة لمعالجة الملفات الأمنية والاقتصادية وتشجيع الاستثمارات المشتركة.
أمن الحدود
يمثل أمن الحدود ومكافحة الإرهاب أولوية مشتركة، في ظل حدود تمتد لنحو 600 كيلومتر، وما تواجهه من تحديات التسلل والتهريب والجماعات الإرهابية. ويتطلب ذلك تعزيز التعاون الاستخباري، وتبادل المعلومات، وتطوير منظومات المراقبة والتحصينات، وإنشاء آليات دائمة للتنسيق الأمني.
ولا ينفصل الأمن عن الاقتصاد، إذ يشكل استقرار المناطق الحدودية شرطاً لتنشيط التجارة وتشغيل المنافذ وحماية مشاريع الطاقة والنقل. ومن شأن التعاون الأمني المستدام تعزيز الثقة والانتقال من إدارة المخاطر إلى بناء مصالح اقتصادية طويلة الأمد.
أنبوب البصرة - حديثة - بانياس
يبرز مشروع نقل النفط العراقي من البصرة عبر حديثة إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط بوصفه أحد أهم المشاريع الاستراتيجية المحتملة بين البلدين.
وتنبع أهميته من حاجة العراق إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية، خصوصاً مع المخاطر الجيوسياسية التي تهدد الملاحة عبر مضيق هرمز، وما قد تسببه من اضطرابات في الصادرات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وتزداد أهمية المشروع مع الطموحات العراقية لرفع الإنتاج النفطي خلال السنوات المقبلة، إذ لا تكفي زيادة الإنتاج دون تطوير قدرات النقل والخزن والتصدير. ولذلك، يحتاج العراق إلى شبكة متكاملة تشمل الموانئ الجنوبية وخط كركوك - جيهان عبر تركيا، ومساراً إضافياً محتملاً نحو بانياس، بما يمنحه مرونة أكبر في الوصول إلى الأسواق العالمية.
في المقابل، يمكن لسوريا الاستفادة من رسوم عبور النفط والاستثمارات وفرص العمل وتطوير البنية التحتية. غير أن تنفيذ المشروع يبقى مرهوناً بدراسات الجدوى والتمويل والضمانات الأمنية والاتفاقيات النهائية، فيما لم تتحدد رسمياً الشركات المنفذة لمسار بانياس.
ممر اقتصادي يتجاوز النفط
يمكن لمشروع البصرة - حديثة - بانياس أن يتحول إلى نواة لممر اقتصادي يربط العراق بالبحر المتوسط، عبر تطوير بنية تحتية مشتركة تشمل الطاقة والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية وشبكات الاتصالات والألياف الضوئية.
ويتيح الربط السككي المحتمل مع سوريا نقل البضائع نحو الموانئ المتوسطية، وخفض تكاليف النقل، وتوسيع حركة التجارة. كما يمكن دراسة مد شبكات لنقل البيانات باتجاه المتوسط، مع فرص للامتداد مستقبلاً نحو الأسواق الأوروبية.
وتتطلب هذه الرؤية التنسيق مع مشروع طريق التنمية، بما يحقق تكامل الممرات الاقتصادية بدلاً من تنافسها، ويعزز موقع العراق مركزاً إقليمياً للطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية. وتبقى هذه المسارات فرصاً استثمارية تحتاج إلى دراسات فنية واقتصادية مستقلة قبل اعتمادها.
التجارة والاستثمار
يمثل تطوير المعابر الحدودية وتسهيل حركة البضائع أحد أسرع مسارات التعاون الاقتصادي، خصوصاً مع تبسيط الإجراءات الكمركية وتحسين الخدمات وتشجيع القطاع الخاص.
وتتوفر فرص للشركات العراقية في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والنقل وإعادة تأهيل البنية التحتية السورية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.
ولا يرتبط نجاح هذه المشاريع بتوفير التمويل وحده، وإنما بوجود جدوى اقتصادية واقعية، وضمانات قانونية وتشغيلية، وتوزيع عادل للعوائد والمخاطر، بما يحقق مصالح البلدين ويشجع الشركات الدولية على الاستثمار.
معايير نجاح الزيارة
لا يُقاس نجاح زيارة دمشق بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بل بقدرتها على التحول إلى التزامات تنفيذية تتضمن أهدافاً محددة وجداول زمنية معلنة وجهات مسؤولة عن الإنجاز.
وتستند فرص النجاح إلى ثلاثة عناصر: الإرادة السياسية المشتركة، والالتزام بالتنفيذ، واعتماد مشاريع تحقق منافع اقتصادية متوازنة.
ومن المهم أن تشمل التفاهمات أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والطاقة والنقل والتجارة، وأن ترتبط اللجان المشتركة بصلاحيات واضحة ومواعيد محددة لإنجاز الدراسات وإطلاق المشاريع.
شراكة في ظل التحولات الإقليمية
تأتي الزيارة في وقت تبحث فيه الدول عن مسارات بديلة للطاقة والتجارة لمواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد. ويمتلك العراق موقعاً يؤهله للربط بين الخليج وتركيا وبلاد الشام، فيما توفر سوريا منفذاً محتملاً نحو البحر المتوسط.
ولا ينبغي أن يأتي تطوير العلاقات مع دمشق على حساب شراكات العراق القائمة، بل ضمن استراتيجية لتنويع الممرات الاقتصادية وتعزيز الأمن والاستقرار.
إن زيارة الزيدي إلى دمشق فرصة للانتقال من التنسيق الأمني إلى شراكة استراتيجية تحقق مصالح البلدين. وقد يشكل مشروع البصرة–حديثة–بانياس ركيزة لهذا التحول، شريطة الانتقال من التفاهمات السياسية إلى مشاريع واقعية، بجدوى اقتصادية واضحة وجداول زمنية ملزمة، تجعل من أمن الحدود مدخلاً للتكامل الاقتصادي والوصول إلى البحر المتوسط.


.webp&w=3840&q=75)
