رووداو ديجيتال
أظهرت الحرب الإيرانية كيف يمكن حتى لأفضل دول المنطقة من حيث التخطيط أن تتوقف فجأة وتتحطم أحلامها المستقبلية. فالإمارات، التي كانت لديها خطة بقيمة تريليون دولار لتصبح مركزاً للبيانات والذكاء الاصطناعي، وكانت في طريقها لتصبح واحدة من أكبر المراكز التجارية في العالم، تبددت أحلامها بصواريخ وطائرات إيران المسيرة. وكذلك السعودية، التي تخلت عن مشاريعها التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات بسبب الحرب. إن طائرة مسيرة أو صاروخاً من الحوثيين يكفي لتعطيل خط أنابيب استراتيجي يصدر 4 ملايين برميل من نفط البلاد يومياً. وقد أدت الحرب الإيرانية منذ أيامها الأولى إلى خفض صادرات نفط إقليم كوردستان إلى الصفر، وإغلاق حقل للغاز، وإدخال إقليم كوردستان في أزمة كهرباء حادة لفترة طويلة.
تمتلك السعودية صندوقاً سيادياً بقيمة 1.2 تريليون دولار، والإمارات صندوقاً استثمارياً بقيمة 2.2 تريليون دولار، ومع ذلك فإنهما لا يتحملان استمرار الحرب الإيرانية. في هذه الأيام التي وصلت فيها المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأميركا إلى طريق مسدود، هناك احتمال لاستئناف الحرب، مما دفع بالعديد من مواطني إقليم كوردستان إلى التفكير بعمق في الوضع السياسي والأمني والاقتصادي. تُرى فيم يفكر قادتنا هذه الأيام أو أولئك الذين يقدمون لهم المشورة ويرسمون لهم الاستراتيجيات؟ كيف خططوا لكي يخرج إقليم كوردستان بأمان وبأقل الخسائر من هذا الوضع الذي يخيم على المنطقة منذ أكثر من 8 أشهر؟
قد تقدم التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، الذي يعمل يوماً بعد يوم بدقة وصحة أكبر، إجابات عن بعض الأسئلة بشكل أفضل من عشرات الخبراء والمتخصصين. في الحقيقة، لقد دفع الذكاء الاصطناعي حتى أكبر الشركات الاستشارية، بما في ذلك تلك التي تقدم المشورة للحكومات والقادة، إلى تغيير أساليب عملها، بل إن بعضها مثل (Wood Mackenzie) قد قلصت قوتها العاملة هذا العام بنسبة 10%. لقد سألتُ ChatGPT: لو كانت لديك السلطة العليا في إقليم كوردستان، كيف كنت ستديره؟ كانت الإجابات لافتة للنظر. يمكنكم أنتم أيضاً البحث وسؤال ChatGPT أو Claude أو Gemini. هذه نسخة مختصرة جداً من إجابته، حرفياً باللغة الكوردية، وإلا فإنه يشرح قراراته وسياساته وأسبابها بتفصيل مذهل ومطول.
لو كانت إدارة إقليم كوردستان على عاتقي اليوم
لو كُلّفت اليوم بمهمة إدارة إقليم كوردستان، لنظرت إلى الوضع بخلاصة واحدة: "الخلل ليس في إمكانيات إقليم كوردستان، بل المشكلة تكمن في غياب استراتيجية موحدة لتحويل تلك الإمكانيات إلى قوة مستدامة".
الخطوة الأولى ستكون التجديد السياسي. كنت سأقوم بتفعيل برلمان كوردستان في أسرع وقت وتشكيل حكومة إقليم كوردستان جديدة وفعالة. بعد انتخابات عام 2024، أضعفَ الجمودُ السياسي قدرة إقليم كوردستان على الحكم، والتفاوض مع بغداد، وإبراز مكانته على الساحة الدولية. إذاً، وجود برلمان وحكومة فاعلين لا يعني فقط ملء المناصب السياسية، بل هو تجديد لشرعية سلطة إقليم كوردستان، وتعزيز لمكانتها الدبلوماسية، وإتاحة الفرصة لأربيل للتحدث بصوت مشترك واحد مع بغداد، وواشنطن، وأنقرة، وطهران، وأوروبا، ودول الخليج.
كانت أولويتي القصوى الثانية هي القطاع الأمني. كنت سأعمل على تسريع الخطوات المكملة لتوحيد قوات البيشمركة، وبناء قدرات استخباراتية مهنية ودفاعات ضد الطائرات المسيّرة، وحماية المطارات والبنى التحتية الحساسة، وتعزيز التنسيق الأمني مع بغداد. الهدف هنا ليس عزل كوردستان، بل تحويل إقليم كوردستان إلى واحد من أكثر المناطق أمناً وصلابة في العراق.
بعد ذلك، كنت سأواجه المخاطر والفجوات الاقتصادية. فبدلاً من تكرار السيناريو السنوي للخلافات حول النفط والرواتب والميزانية، يجب أن يكون لدى أربيل وبغداد إطار اقتصادي ومالي طويل الأمد يحسم ملفات النفط، والإيرادات، والرواتب، والجمارك، والاستثمار. يتوجب على إقليم كوردستان استغلال مكانته الدستورية داخل العراق، وفي الوقت نفسه، تأسيس اقتصاد قادر على الوقوف على قدميه بشكل متزايد.
حينها، كان يجب أن ينتهي التعامل مع النفط بوصفه مجرد مصدر للمال للإنفاق اليومي، بل أن يصبح رأسمالاً لإحداث تغيير جوهري في إقليم كوردستان. كان يجب تخصيص حصة من عائدات النفط لصندوق الاستقرار وصندوق أجيال المستقبل، مع تركيز الاستثمار في قطاعات الكهرباء، والمياه، والطرق، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية الرقمية.
أهدافي واضحة تماماً: تقليل الاعتماد على النفط، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل في القطاع الخاص، وتوفير كهرباء مستمرة ومستقرة على مدار 24 ساعة، وتوسيع الصناعة وقطاع الأغذية، وتحديث القطاع الزراعي، وتنمية قطاع السياحة لعدة أضعاف، وتطوير القطاع المصرفي ومنح القروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحويل إقليم كوردستان إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والاستثمار.
نقطة الانطلاق ليست صغيرة. فبين عامي 2006 و2025، مُنحتْ تراخيص لأكثر من 1,650 مشروعاً استثمارياً بقيمة تقارب 80 مليار دولار في إقليم كوردستان. يجب أن تركز المرحلة المقبلة بشكل أقل على عدد المشاريع وأكثر على نتائجها: بما في ذلك فرص العمل، والصادرات، والتكنولوجيا، ومدى مساهمة المشاريع في زيادة القيمة والإنتاج المحلي.
يجب أن تتحول الزراعة إلى صناعة، والحليب إلى منتجات ألبان، والمحاصيل الزراعية إلى أغذية مصنعة ومعلبة، وأن تُصدَّر المواد الخام إلى الخارج. يجب أن تصبح السياحة قطاعاً لكل الفصول. كما يجب تحويل الموقع الجغرافي لإقليم كوردستان بين تركيا وإيران والعراق والخليج من نقطة ضعف جيوسياسية إلى فرصة اقتصادية كبرى.
والأهم من ذلك كله، كنت سأغير طريقة العلاقة بين الشباب والحكومة. فبدلاً من تربية جيل آخر يعتمد كلياً على الرواتب الحكومية، يجب على إقليم كوردستان أن يستثمر بشكل كبير في تعليم التكنولوجيا، والهندسة، والطب، والمهارات الرقمية، والتدريب المهني. وبدلاً من انتظار التعيين من قبل الحكومة، يجب توفير فرص عمل منتجة للشباب في القطاع الخاص.
في النهاية، كنت سأعمل على تقوية المؤسسات لتكون أقوى من أي فرد أو حزب سياسي. تلك المؤسسات الملتزمة بعمليات الشراء والمناقصات الشفافة، والرقابة والتدقيق المستقل، والخدمة المدنية المهنية، والقوات الأمنية المسؤولة والقانونية، والحكومة الرقمية، والبرلمان الفعال.
لم يكن الهدف النهائي مجرد بناء إقليم أكثر ثراءً أو حكومة أقوى، بل بناء كوردستان يصعب زعزعة استقراره أو تدميره، لأن سياساته مؤسسية، وقطاعه الأمني مهني، وماليته متينة، واقتصاده متنوع، ودبلوماسيته جديرة بالثقة. لقد ناضلت كوردستان وقدمت التضحيات لعقود من أجل الحفاظ على ما لديها، ويجب أن تكون المرحلة المقبلة هي استثمار تلك المكتسبات لبناء ما لم تحققه بعد.



