رووداو ديجيتال
اكتسبت الكلمة التي ألقاها رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، ببغداد
أمس الخميس (1 تشرين الأول 2026)، بمناسبة يوم السيادة العراقية، أهمية مضافة
لطروحات رجل سياسي كوردي عراقي يفكر بحاضر ومستقبل شعبه ووطنه، وليس فقط لأنه
ألقاها بلغة عربية سليمة ومعبرة وقريبة من كل العراقيين.
أنا شخصياً كنت أتوقع أن يلقيها بلغته القومية، لغته الأم، الكوردية،
اللغة الثانية عراقياً، لكنه فاجأنا جميعاً، فاجأ العراقيين بأن تحدث إليهم بلغتهم؛
لا لكي يتقرب منهم أكثر، فالعراقيون يعتبرون نيجيرفان بارزاني هو الأكثر قرباً
منهم بروحه الوطنية ومبادراته التي لا مجال لذكرها هنا لكثرتها من أجل استقرار
العراق والشعب العراقي بكل قومياته وأديانه وطوائفه، لكن رئيس إقليم كوردستان أراد
أن يسمعه كل العراقيين، في كل مدينة وناحية وقرية وبمختلف فئاتهم ومستوياتهم
الثقافية والاجتماعية دون الحاجة إلى ترجمة ما يقوله، وألا تكون اللغة حاجزاً بينه
وبين أبناء شعبه العراقي سواء كانوا من الكورد أو العرب. وهو سيبقى الشخصية
الكوردية الأصيلة التي تتجذر شجرتها في عمق جبال كوردستان العراق، ولن تثلم اللغة
العربية من كورديته بل تزيدها تنوعاً وإثراءً ثقافياً.
تُعرّف اللغة أكاديمياً بأنها "نظام من الأصوات والرموز
الاختيارية التي يستخدمها البشر للتواصل والتعبير عن الأفكار والمشاعر"،
ويعرفها ابن خلدون بأنها "عبارة المتكلم عن مقصوده كملكة لسانية". وهذا
يعني أن أهمية اللغة هي التعبير عن الأفكار وإيصالها إلى أكبر شريحة من الناس، وهي
بالتالي وسيلة والهدف منها التواصل، وهذا ما قام به رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني؛
فلا يعني أنه عندما يتحدث بلغته الأم (الكوردية) فهو ليس عراقياً، وعندما يتحدث عن
آرائه باللغة العربية فهو عراقي، بل في كلتا الحالتين هو عراقي أصيل وقد عبّر عن
عراقيته، سواء بالكوردية أو بالعربية في مناسبات شديدة الأهمية، وأنقذ البلد في
أزمات سياسية حرجة وعبّر عن حرصه على وحدة العراق وشعبه بالأفعال وليس بالأقوال
فحسب.
في عام 2006 كنت قد التقيت مع "كاكا" نيجيرفان بارزاني،
وكان رئيساً لحكومة إقليم كوردستان في حوار صحفي، استقبلني مبتسماً كعادته ورحب بي
بلغة عربية سليمة: "أهلاً وسهلاً.. تفضل"، قلت له: هل تتعلم العربية حتى
ترشح نفسك لرئاسة وزراء العراق؟ قال: "دستورياً هذا من حقي فأنا مواطن
عراقي". وياليته فعل أو يفعل ذلك. وخلال ملتقى الشرق الأوسط 2025 (ميري) الذي
عقد في أربيل خلال الفترة من 7 إلى 8 تشرين الأول من العام الماضي، تشرفت بلقائه
على هامش الملتقى، وبادرني بتواضعه المعروف: "ها شلونك.. زين؟".
لم يتعلم رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، اللغة العربية للتحدث فقط، بل برهن
لنا أسلوبه بقراءته كلمته المكتوبة بلغة رصينة ومفردات عربية جزلة ولمدة سبع دقائق
دون توقف أو خطأ، تصعب على سياسيين عرب عراقيين إجادة قراءتها بهذه التلقائية..
وهو لم يفعل ذلك من أجل منصب ببغداد أو التقرب لهذا أو ذاك، بل لإزاحة الجدار،
ولتهديم الحاجز بينه وبين كل العراقيين وليقول لهم أنا معكم وبينكم ومنكم:
"نتطلع إلى بناء عراق دستوري، فيدرالي ومستقر، يتمتع بكامل السيادة ولا يكون
ساحة للصراعات، بل منطلقاً للسلام والتنمية والازدهار".
.jpg&w=3840&q=75)


