من منظور جيولوجيا النفط، تتقاطع التراكيب الجيولوجية المعقدة لحزام طيات "زاغروس" في شمال العراق وجنوب كوردستان (إقليم كوردستان العراق) مع إحدى أشد المعادلات الجيوسياسية تعقيداً وحساسية في الشرق الأوسط. فالطبقات الرسوبية المخزنة للهيدروكربونات لا تعد جغرافية نفطية فحسب، بل تمثل هندسة مكانية وامتدادا ديناميكياً لشبكات مكامن ممتدة على الفوالق والتراكيب التكتونية الحادة، لتفرض معادلة أمنية واضحة لاسيما من ناحية البنية التحتية للطاقة في أتون الصراعات الإقليمية.
يواجه البلد بعد الانسحاب الأميركي وتلاشي مظلتها الدفاعية واستكمال الانتقال الأمني الثنائي، حقبة جديدة من الاختبار السيادي تتجاوز ملف الفراغ العسكري ومخاطر التنظيمات الإرهابية، لتمتد إلى تداعيات جيولوجية كارثية على ديناميكية المكامن حين الإغلاق القسري أو المفاجئ للآبار: من يتحمل مسؤولية تأمين البيئة النفطية والمواقع الاستراتيجية والحيوية في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة؟ إن الحماية ربما تكمن في تأسيس عقيدة جيولوجية أمنية لتحصين مقومات البنية الاقتصادية للبلاد، وضمان استدامة الموارد الحيوية، وترسيخ السيادة الوطنية بصورة متوازنة.
عقد الانكشاف الجيولوجي
في جغرافية الحزام الجيولوجي "طيات زاغروس"، لا تتوزع الحقوق الهيدروكربونية في شمال العراق وإقليم كوردستان بصورة عبثية أو وفق نسق غير منتظم، بل تتحدد ضمن النطاق البنيوي والتكتوني لهذا الحزام. هذا التشكيل التكتوني يبلور تراكيب جيولوجية محدبة ومقعرة (anticlines) ممتدة لمساحات شاسعة؛ فالحقول النفطية والغازية في هذه الجغرافية لا تتموضع كمواقع جغرافية منفردة تحصَّن تقليدياً، بل تمثل منظومات شبكية واسعة تتداخل مع البنى التضاريسية والفوالق، ما يزيد من هشاشتها البنيوية أمام الاستهداف بعيد المدى ذات الطابع الجوي.
وتتجلى درجة الخطورة الناجمة عن هذا التقاطع ضمن إشكاليات استراتيجية محورية، أبرزها:
جغرافية التضاريس والتكتيك دون عتبة الحرب المفتوحة: تتميز الجغرافية آنفة الذكر بوديان وتضاريس جبلية وعرة ممتدة عبر الفوالق، ما يجعلها عرضة بصورة مباشرة وسهلة للطائرات المسيرة ذات التحليق المنخفض، مشكلة بذلك ستارا طوبوغرافيا لتجاوز قدرات الكشف الراداري والتتبع التقليدي. هذا الانكشاف يُترجم إلى مصدر ضغط ضمن التفاعلات الجيوسياسية؛ إذ توظف الجهات المعادية إلى استثمار مواطن الضعف في الفراغ الجغرافي عبر أدوات استهداف محدودة التكلفة بتداعيات واسعة دون الانخراط في صدامات ميدانية.
التهديد المكمني المباشر: لا تقف تداعيات القصف الجوي عند حدود الأضرار المادية بخطوط الأنابيب والمنشآت السطحية، بل قد تمتد لتطال استقرار المكامن الغازية والنفطية. إن التعطل المفاجئ للآبار نتيجة إصابة شبكات التجميع أو محطات مرافق المعالجة، قد يفضي إلى اضطراب في التوازن الهيدروديناميكي للمكمن، وتذبذبات حادة في أنماط الضغط داخل المكامن. ويترتب على الاختلال تدهور محتمل في نفوذية الصخور المكمنية واضطراب في ديناميات توزيع النفط والماء والغاز، بما ينعكس على الكفاءة الإنتاجية للحقل والحد من استدامتها مستقبلاً.
ازدواجية الحماية بين بغداد وأربيل: يتفاقم الانكشاف الأمني لهذه التراكيب الجيولوجية متجاوزا حدود الجغرافية النفطية، في ظل غياب منظومة دفاع جوي موحدة بين بغداد وأربيل. بعد الانسحاب الأميركي، باتت حقول النفط الكوردستانية في الإقليم أسيرة بنية دفاعية محدودة التطور أو ما يسمى بفجوة "تنظيمية وتكنولوجية" تقيدها قانونيا وتقنيا؛ فالإقليم يفتقر إلى صلاحيات جمة ومقومات دفاعية لبناء شبكة جوية استراتيجية متقدمة لتأمين المجال الجوي، بينما تواجه بغداد محدودية في قدرات الرصد والإنذار المبكر لاسيما في المناطق الجبلية منها، بما يجعل قطاع الطاقة عرضة لتداعيات التوترات والتنافسات الإقليمية؛ أي يبقي أمن الطاقة بين مطرقة المخاطر التكتونية وسندان الهشاشة المؤسساتية.
هشاشة البنية التشغيلية ومخاطر الشلل: لا تكمن خطورة الحقول في المكامن وحدها، بل في المنظومة السطحية المدمجة لإنتاج ومعالجة الهيدروكربونات، وفي مقدمتها وحدات العزل ومحطات الضغط والنقل المركزية. استهداف هذه العقد التجميعية الحاكمة واضطرابها قد يفضي إلى تعطل متتالي يشمل قطع الإمدادات الغازية عن مرافق توليد الطاقة والبنى التحتية الحيوية في جنوب كوردستان والمناطق المجاورة، بما يحول الصدمة الجيولوجية ذات المنشأ الأمني المحدود إلى ارتدادات مجتمعية واقتصادية موسعة.
انكماش البيئة الاستثمارية واضطراب إدارة المخزون الهيدروكربوني: تستدعي طبيعة التراكيب الجيولوجية المعقدة لحزام "زاغروس" شراكات تكنولوجية، وتقنيات حفر متطورة، ورؤوس أموال ضخمة، واستثمارات مستدامة للاستمرار في تطوير المكامن العميقة والحفاظ على إنتاجيتها. الانكشاف الأمني والتهديد الجوي المتواصل، يدفع الشركات العالمية لتجميد برامجها الاستكشافية الحديثة ومشاريع الحفر، وبالتالي تآكل كفاءة وفاعلية حوكمة المواد الهيدروكربونية الوطنية، وإرجاء خطط استثمار المكامن الناشئة.
سد الفراغ الدفاعي
تطرح جغرافية حزام "زاغروس" معضلة مركبة في توزيع المهام الأمنية؛ إذ يعكس عمق الخريطة المتمحورة حول الحماية الراهنة تفككا هيكليا بين ثلاثة مستويات من الفاعلين:
الغطاء الميداني المباشر؛ إذ تتركز الجهود على صد التهديدات التقليدية والخروقات البرية لحماية النطاق الجغرافي المتاخم للمنشآت والمكامن الهيدروكربونية، غير أن قدراتها على المستوى الميداني تقف عاجزة أمام الاستهداف الجوي الدقيق.
منظومة الحماية الاتحادية؛ التضاريس المعقدة في الشمال تولد ثغرات رادارية رغم محاولات تثبيت الاعتراضات الجوية، حيث الآثار المزدوجة في ظل غياب بروتوكول موحد للاستجابة الأمنية المشتركة بين بغداد وأربيل.
الأمن الخاص للشركات التشغيلية: إذ يقتصر دورها الأمني على حماية النطاق اللوجستي والطواقم داخل المنشآت، دون امتلاكها لمقومات التشويش الالكتروني المتقدمة أو تفويض سيادي للدفاع والتحصين. هذا العجز القانوني والتقني وغياب وسائط الردع الجوي الذاتي، يحيد الشركات والاستجابة الأجنبية لدعم كل ما يخفف التهديدات الحديثة، وبالتالي الإبقاء على خيارات الانكفاء التي تهدد حجم الإنتاج واستدامته.
واقع هذا العجز المركب يضع مستقبل الإدارة الأمنية(لاسيما أمن الطاقة) والسياسية أمام ثلاث سيناريوهات استراتيجية أساسية:
سيناريو الاحتواء المنفصل أو الاستجابة الانفعالية: المسار الذي يستند بشكل أساسي إلى اتباع النهج القائم على إدارة الأزمات وتداعياتها بشكل لاهث وانفصال عملياتي بين أربيل وبغداد في إطار التوترات الظرفية الحالية، يترك الأصول النفطية في دائرة التهديدات والمخاطر الحقيقية المباشرة، ويفاقم حالة الضبابية التي تحيط بالقرار الاستثماري.
سيناريو الهيكلة المدمجة: يرتكز هذا المسار بالدرجة الأولى على توحيد منظومات القيادة والسيطرة الدفاعية والجوية لتدار عبر آلية مشتركة للقيادة والتنسيق بين وزارة البيشمركة في إقليم كوردستان ووزارة الدفاع الاتحادية في العراق.
سيناريو الدبلوماسية الأمنية: يستوجب بعد الانسحاب ودخول العراق وإقليم كوردستان حقبة جديدة تفعيل اتفاقيات ثنائية مع الشركاء الدوليين فيما بتعلق بالمسار الأمني لتطوير منظومة حماية متكاملة للمنشآت الحيوية من خلال أنظمة الرصد والاستشعار المبكر وقدرات مكافحة المسيرات إلكترونياً، مع إتاحة هامش تنظيمي منضبط سيادياً للشركات الاستثمارية لتفويضها بتحديث آليات حظر وحماية حرمها التشغيلي.
ومع الفراغ الاستراتيجي الناشئ الذي يتركه الانسحاب الأميركي، يظل التشتت التنظيمي بين بغداد وأربيل في المشهد الجديد ثغرة قاتلة، لتغدو معها صياغة مظلة أمنية-هيدروكربونية موحدة ضرورة حتمية لصون المقومات الاقتصادية للدولة؛ فهل يمثل التراجع الأميركي فرصة تاريخية لفرض معادلة دفاعية رصينة تُحمى بها العقد النفطية، أم أن رهانات التعطيل السياسي ستبقي أصول البلاد الهيدروكربونية في حالة الجمود الاستثماري والانكفاء العملياتي؟


.jpg&w=3840&q=75)

