ثمة حبل مشدود يسير عليه رئيس
الوزراء العراقي (علي الزيدي) وليس في المشهد ما يوحي بأن الحبل سينخفض قريباً إلى
مستوى الأرض.
قدم مرفوعة في الهواء، وقدم على
الحبل ويدان تحاولان حفظ التوازن بين ثقلين لا يتطابقان: ثقل السياسة وثقل الأمن.
وفي الأسفل هاوية من الشكوك والتأويلات والخصومات السياسية.لكن المهم ليس كيف يعبر
الزيدي الحبل، بل إلى أين يريد أن يصل؟.
فالمهمة الأصعب أمامه ليست أكمال
الكابينة الحكومية فقط، وإنما الإجابة عن سؤال السلاح: ماذا يحدث عندما تنتهي
اللحظة التي استدعت السلاح وتبدأ لحظة الدولة. وهل يعود السلاح إلى الدولة، أم
تبقى الدولة مضطرة إلى البحث عن مكان لها بين السلاح والسياسة؟.
ولهذا على رئيس الوزراء أن يزن
كلماته بالملليغرام. ففي السياسة العراقية لا تكفي الحقيقة دائماً؛ إذ يمكن
للتأويل أن يكون أقوى منها. لقاء مع مسؤول أميركي يصبح رسالة، وتصريح عابر ضد
إيران يتحول إلى موقف، ومجاملة دبلوماسية قد تصبح دليلاً على الانحياز.
وهنا لا يواجه الزيدي خصوماً
يبحثون فقط عما قاله، بل يبحثون عما يمكن أن يُقال إنه أراد قوله. المشكلة، مع ذلك، أكبر من منصب رئيس الوزراء .إنها تمس الإطار التنسيقي نفسه، الذي نشأ من مرحلة سياسية وأمنية معقدة،
ويحمل داخله سؤالاً لم يُحسم بعد: كيف يمكن الجمع بين إرث المقاومة ومتطلبات
الدولة؟ الجميع يريد الدولة، لكن تعريف الدولة هو المختلف عليه.
هناك من يرى أن الدولة تحمي
المقاومة، وهناك من يرى أن المقاومة حمت الدولة. وبين العبارتين مسافة سياسية
كبيرة. فالسؤال الحقيقي ليس عن السلاح وحده، وإنما عن من يملك القرار النهائي ومن
يقرر الحرب والسلم ومن يحدد العلاقة مع الخارج ومن يضع حدود العمل السياسي للفصائل
المسلحة؟. والمفارقة تظهر بوضوح في وضع المقاوم .
يُقبل المقاوم عندما يكون في
الميدان، ويُوثق به عندما تكون المعركة مشتعلة، لكنه يصبح موضع سؤال عندما يدخل
بوابة الدولة.
إذا كان المقاوم جديراً بالثقة
عندما يحمل السلاح دفاعاً عن الآخرين، فلماذا يصبح موضع شك عندما يحمل ملفاً داخل
الحكومة؟.
السؤال هنا ليس دعوة إلى تحويل
الدولة إلى امتداد للفصائل، بل هو سؤال عن كيفية تحويل تاريخ المقاومة إلى جزء من
تاريخ الدولة، من دون أن تصبح الدولة نفسها أسيرة لهذا التاريخ. وهنا تقع مسؤولية الإطار التنسيقي.
ليس المطلوب أن يتخلى عن تاريخه
أو ينكر المقاومة، بل أن يحوّل هذا التاريخ إلى جزء من الدولة لا بديلاً عنها.
أما الزيدي، فعليه أن يجد المسافة
الدقيقة بين الاثنين: أن يقول إن الدولة لا تعادي من حمل السلاح دفاعاً عنها،
لكنها لا تقبل أن ينافسها أحد على قرارها؛ وأن التواصل مع الخارج ليس ولاءً له،
كما أن رفض الهيمنة الخارجية ليس رفضاً للعالم.
في النهاية، السؤال أكبر من حكومة
الزيدي وأقدم من شخصه: هل تستطيع القوى التي خرجت من زمن الحرب أن تدخل
زمن الدولة من دون أن تفقد تاريخها؟ فإذا كان الجواب نعم، فثمة طريق.
أما إذا ظل كل اختلاف امتحاناً
للولاء، وكل لقاء مع الخارج تهمة، وكل حديث عن الدولة يُفهم بوصفه حديثاً ضد
المقاومة، فستبقى المشكلة أعمق من الحبل الذي يسير عليه الزيدي.
ستبقى المشكلة في الأرض نفسها: من
يملك قرار الدولة، ومن يملك قرار السلاح؟ وما هو السلاح المستهدف؟ هل شيعي فقط؟.



