في العراق كان خطاب النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد حاضراً في الخطاب السياسي منذ عام 2006، ورفعت حكومات وأحزاب وقوى معارضة وشخصيات دينية في مناسبات لا تُحصى، شعارات إصلاح الدولة العراقية ومحاسبة الفاسدين. لكن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الشعارات، بل في المسافة الهائلة بين الخطاب والممارسة، وبين ما يُقال أمام المواطنين وما يجري خلف أبواب السياسة الموصدة .
لقد تحولت مكافحة الفساد، في كثير من الأحيان، من مشروع للإصلاح إلى شعار للاستهلاك السياسي. يظهر بقوة عندما تكون هناك حاجة إلى كسب الرأي العام، ثم يتراجع عندما يصطدم بالمصالح الحزبية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: فالفساد لا يعيش فقط بسبب الفاسد الذي يستفيد منه، وإنما أيضاً بسبب منظومة سياسية وإدارية واقتصادية تسمح له بالبقاء، وتحميه أحياناً، وتمنحه القدرة على إعادة إنتاج نفسه وهذا ماتفعله الاحزاب والتيارات السياسية في العراق .
أن قوة الدول التي نجحت في مواجهة الفساد كانت تكمن في قدرتها على الجمع بين رؤية إصلاحية جريئة وواقعية، فهي لا تتعامل مع الفساد بوصفه ظاهرة أخلاقية فحسب، وإنما باعتباره خللاً في بنية النظام. ولذلك لم تكتفِ بملاحقة الفاسدين، بل عملت على تجفيف مصادر الفساد، وإغلاق منافذه، وتعزيز استقلال القضاء والرقابة، وربط السلطة بالمسؤولية والمساءلة.
أما حين تتحول مكافحة الفساد إلى حملات انتقائية ومسيسة كما في العراق فإنها تفقد معناها. فليس كافياً أن تُفتح الملفات ضد بعض المسؤولين، بينما تبقى ملفات أخرى مغلقة لأن أصحابها أقوى سياسياً أو أكثر نفوذاً. وليس كافياً أن يُحاسب موظف صغير على مخالفة محدودة، بينما تمرّ صفقات ومشاريع بمبالغ ضخمة من دون تدقيق حقيقي. فالعدالة الانتقائية لا تحارب الفساد؛ إنها تعيد توزيع الخوف بين الفاسدين.
والأخطر من انتشار الفساد هو تطبيع المجتمع معه حيث يصبح المواطن مقتنعاً بأن إنجاز معاملته يحتاج إلى واسطة، وأن الحصول على الوظيفة مرتبط بالرشوة لا بالكفاءة، وأن العقود العامة يمكن أن تكون مجالاً للمحاصصة حيث يتحول الفساد من جريمة إلى طريقة عمل . وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح المعركة أصعب بكثير، لأن المطلوب لا يعود مجرد محاسبة أفراد، وإنما استعادة مفهوم الدولة نفسه.
إن الفساد لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق المستقبل. فعندما يرفع تكلفة المشاريع، ينعكس ذلك على المدارس والمستشفيات والطرق والخدمات. وحين تُمنح الوظائف على أساس الولاء بدلاً من الكفاءة، فإنه يقتل فرص الشباب. وحين تُمنح العقود لمن يمتلك النفوذ بدلاً من صاحب العرض الأفضل، فإنه يخنق القطاع الخاص ويطرد الاستثمار. وفي النهاية يدفع المواطن العادي الثمن، حتى لو لم يرَ عملية السرقة نفسها. فانه يعيش اثاراها على الواقع.
إن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير النظام الذي أنتج المشكلة، ولذلك فإن أخطر وهم في مكافحة الفساد هو الاعتقاد بأن إقالة مسؤول أو اعتقال آخر تكفي لإعلان الانتصار. قد تكون المحاسبة ضرورية، لكنها ليست الإصلاح كله.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال الأصعب: لماذا استطاع الفساد أن يحدث أصلاً؟ لماذا الفساد محمي من قبل زعامات سياسية تدعي محاربته؟.
إن الدولة الواقعية تبني نظاماً يجعل الفساد أصعب، واكتشافه أسرع، وحمايته أكثر كلفة، واسترداد الأموال أكثر احتمالاً. ولهذا فإن الرقمنة، وشفافية العقود الحكومية، وإعلان الذمم المالية، ومنع تضارب المصالح، وحماية المبلغين، واستقلال أجهزة الرقابة، وسرعة القضاء، ليست إجراءات تقنية هامشية، وإنما هي جزء من معركة سياسية على طبيعة الدولة ومستقبلها.
ومن أخطر الأفكار التي يمكن أن تترسخ في المجتمع أن الفساد جزء من طبيعة الأمور . وأنه لا يمكن تغييره لأن الجميع يفعل ذلك. هذه الفكرة تخدم الفاسدين أكثر من أي قانون آخر وهم من يسوقون له .
فالفساد ليس قدراً، والواسطة ليست ثقافة يجب التسليم بها، والرشوة ليست حلاً للمشكلات، والمحسوبية ليست حقاً مكتسباً. إنها مظاهر لضعف المؤسسات وسيادة المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ولا يمكن بناء دولة قوية في الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن أن يكون نزيهاً، بينما يرى السياسيين قادرين على الإفلات من المساءلة و العقاب، والمطلوب ليس مجتمعاً يخاف من القانون، وإنما مجتمع يثق بأن القانون يُطبّق على الجميع.
إن تطبيع الفساد أخطر من الفساد نفسه؛ لأنه عندما يصبح طبيعياً، يفقد المجتمع قدرته على مقاومته، وتنهار الحدود الأخلاقية التي تحمي المال العام. والدولة التي تسمح بتراكم هذه الحالة تدفع ثمناً باهظاً: ضعف الاستثمار، تراجع الخدمات، هروب الكفاءات، اتساع الفقر، فقدان الثقة، وتنامي الشعور بأن الحكومة لا تعمل لمصلحة مواطنيها، وإنما لمصلحة من يمتلكون النفوذ عليها، والأخطر أن المواطن قد يفقد إيمانه بفكرة الإصلاح نفسها. وعندما يفقد الناس الثقة بأن محاربة الفساد ممكنة، يصبح اليأس بيئة مثالية لاستمرار الفساد.
إن محاربة الفساد يجب أن تخرج من كونها شعاراً أو خطاباً إعلامياً إلى مشروع وطني مستمر؛ مشروع لا يتغير بتغير الحكومات، ولا يتوقف عند حدود حزب أو طائفة أو جماعة، ولا يستخدم ملفات الفساد لتصفية الحسابات السياسية.
فالنجاح لا يُقاس بعدد الاعتقالات والمؤتمرات والبيانات، وإنما بعدد الصفقات التي أصبحت شفافة، والأموال التي جرى استردادها، والمؤسسات التي أصبحت أكثر استقلالاً، والإجراءات التي أغلقت أبواب الرشوة، والمواطن الذي أصبح قادراً على إنجاز معاملته من دون واسطة. في النهاية، محاربة الفساد ليست معركة ضد أشخاص، بل معركة من أجل الدولة.
وحين يصبح القانون أقوى من النفوذ، والمؤسسة أقوى من الشخص، والمصلحة العامة أقوى من المحاصصة، عندها فقط يمكن القول إن معركة مكافحة الفساد بدأت فعلاً. أما الاكتفاء برفع شعار النزاهة، بينما تبقى أبواب الفساد مفتوحة، فهو ليس إصلاحاً. إنه مجرد إدارة للفساد تحت عنوان محاربته.

.jpg&w=3840&q=75)
