لا تقاس الخسارة الحقيقية لرحيل
المؤرخين والعظماء بحجم كلمات النعي التي نسردها فحسب، بل بفقداننا لأحد محاربي
معركة الذاكرة، وما يتركونه من فراغ منهجي حقيقي في عملية حماية الذاكرة القومية
والوطنية. رحيل الدكتور عبد الفتاح بوتاني عن الساحة الأكاديمية الكوردية، يفقدنا
اليوم أحد أعمدة التأريخ والتوثيق؛ إذ جعل من التوثيق التاريخي معركة تضاهي في
أثرها المعركة السياسية، التي تبقى مهددة بالتلف مالم تخضع للتوثيق التاريخي
وترسيخ الحقائق في محاولة لمنع محو المنجزات التي تمت على الأرض تحت مسمى
"صراع الوجود على الأرض"، وفعلاً معرفياً مقاوما يمكن البناء عليه عبر
تأسيس سردية في أروقة الوثائق والأرشيف الكوردي الذي جعل منه اللبنة الأساسية في
قراءة وتحليل التاريخ الكوردي.
حاول بوتاني عبر مؤلفاته إثبات أن
التاريخ ليس للأرشفة فقط، بل عده التشييد المعرفي الحقيقي الذي يقتضي توثيقا صارما
خلافا للتناقل الشفاهي الذي يعرض التاريخ للاندثار أو إعادة بنائه من جديد. فقد
مارس التوثيق الأكاديمي بصفته خط الحماية الأخير يقي الهوية من التبديد، ودرع يحمي
التراث من الانكسار والانهيار، ويمنحهما شرعية الحضور المستدام في سجلات التاريخ
على مر العصور، وقد تجلى ذلك في تدوينه وتوثيقه لتاريخ القضية الكوردية والتنظيمات
والحركات المرتبطة بها، والأرشيف السياسي القديم والحديث وأيضا بعض الوثائق
العثمانية.
التوثيق كفعل استرداد
هل كان التعامل مع الوثيقة
والتوثيق مقاربة ومعالجة بحثية أكاديمية بالنسبة لبوتاني، في ظل ما تعرضت له
الذاكرة الكوردية من إقصاء وتهميش بل وتشويه متعمد؟ بكل تأكيد، لا، ف بوتاني استند
إلى الوثيقة كأداة أساسية في المسار المنهجي لإعادة بناء الفجوات في المدونات
التاريخية وترسيخ ما أغفله السرد والتدوين العلمي، ومعايرة المسافة بين الوقائع
والحوادث وسردياتهما التاريخية وتحريرهما من سلطة التدوين الانحيازي.
لم يكن بوتاني يتعامل مع التاريخ
بصفته رصيد من السرديات الجمعية الموروثة أو مجرد مرويات انطبعت في الذاكرة
الجمعية قبل أن تدون، أو سرديات تاريخية تتصارع عليها الروايات والشفاهية، بل
باعتباره أرشيفا شائكاً ومتشابكاً يتطلب المزيد من التفكيك، والتحليل، والتحقيق،
والتأصيل التوثيقي.
لا تكفي الحكايات المروية لبناء
التاريخ؛ إذ تبقى الشفاهية -على ضرورتها- عارية من الحصانة، وتظل شكا مستداما مالم
تسجن في إطار المراقبة والتوثيق المنهجي الأكاديمي عبر اختبارها على محك الوثيقة،
والمحاكمة، والوثائق، والمصادر الموازية، وأرشيف الصحافة والإعلام، لتُمنَح
الشرعية العلمية.
لذا، تتبدى نتاجاته ومنجزاته
العلمية كورشة عمل مفتوحة، لا مجرد دراسات وأبحاث منفصلة، لانتشال تاريخ عانى عبر
عقود من الإزاحة التاريخية عمدا خارج نطاق الحساب المؤسساتي المحتكرة لآليات توثيق
التاريخ، وصياغة السرديات، والتدوينات التاريخية، وإعادة إدراج تلك الصفحات
التاريخية التي بقيت مشتتة دون حق في التدوين وسلطة قلم حر تمنحه الاسترداد.
من خلال اشتغاله البحثي الذي
عبَّد الطريق لفهم وتحليل المحطات المفصلية في صياغة السرديات التاريخية، ظهر
التوثيق عند بوتاني ليس كمصطلح علمي مرحلي أو تمهيدي لجمع الأرشيف قبل الكتابة أو محطة انتظار تسبق
تدوين التاريخ، بل كشفت صيروراته البحثية ومنظوره الأكاديمي أن التوثيق هي الأداة
الصلبة في بناء السردية التاريخية ذاتها وتشكيل متنها وصناعة حضورها عبر إعداد
الأرضية المنهجية لقراءة التاريخ، وتأسيس مساره وسد الفجوات التاريخية في
التاريخين الكوردي والعراقي.
حيث عمل على نقل الوثائق
المتناثرة إلى فضاء النصوص الموثقة والمعترفة بها أكاديميا، ويتضح ذلك في كتابه
الصادر 2023 تحت عنوان "تاريخ الحزب الشيوعي العراقي في لواء الموصل
1934-1970: دراسة سياسية وثقافية"، ومؤلفه الصادر 2001 "وثائق عن الحركة
القومية الكوردية التحريرية: ملاحظات تاريخية ودراسات أولية"- الوثيقة هنا
تبدو أقرب إلى قراءة وتحليل موسع في تاريخ الحركة القومية الكوردية، ما يجعلها
مصدرا في غاية الأهمية، يستحق الرجوع إليه أثناء القيام بالدراسات والأبحاث
الأكاديمية في ذات السياق. وأيضا عمله الصادر 2015 المعنون ب"صفحات من تاريخ
الكرد وكوردستان الحديث في الوثائق العثمانية 1840-1915" حيث كان الاعتماد
على تلك الوثائق العثمانية باعتبارها مادة حية وخصبة لتفكيك وإعادة بناء السردية
لتاريخ كوردستان في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ما يعني أن بوتاني لم
يكن بمثابة جامع معلومات ووثائق ومدون للسرديات فقط، بل أعتبره مهندس عملية
استعادة الذاكرة عبر الاسترداد الوثائقي للذاكرة الجمعية أو ركائز أرشيفية صلبة،
أو ربما يمكننا تسميته بمعمار المشروع الأكاديمي وحارس الذاكرة بحصانة الإثباتات
والدلائل ومنتقذها من الطغيان.
بناء المعرفة الكوردية عبر
التوثيق
هنا، لا بد من طرح السؤال الأعمق:
ماذا يحدث للوعي حين يصبح الماضي والتاريخ قابلين للإثبات أو حينما يستعاد التاريخ
من وثائقه؟.
الركيزة الجوهرية في تجربة بوتاني
التوثيقية هي تفكيك الوثيقة ودلالاتها وخلفياتها من خلال قراءتها السياقية
السياسية والاجتماعية، وإخضاعها لنماذج ومراجع موازية، ووضعها في ميزان الروايات
المختلفة والمتعددة.
ما لفت نظري أثناء قراءة بعض
مؤلفاته أنه قد تجرد من الأحكام المسبقة ولم يتخذ لنفسه موقع الوصي على الوثيقة،
ولم يفرض رؤيته ومنظوره عليها أو توجيهها لإثبات وتأكيد منظور ما، ولم يكرسها لدعم
وبرهان فرضيات معدة مسبقاً، بل اتخذها بوصلة للاستفهام والسؤال والاطلاع والتعمق
في البحث وركيزة مفصلية للبناء التحليلي وعرض الإشكاليات وتوليد الأسئلة، ما منح
تجربته الأهمية القصوى في التاريخ الكوردي؛ حيث ارتكزت مؤلفاته على مواجهة كل ما
يمس الانتقائية في كتابة التاريخ الكوردي، حيث التغييب التام للحضور السياسي
والاجتماعي عبر إخفاء الصوت الكوردي، وفرض الروايات الرسمية، واستبعاد الكورد
وتجزئتهم في منعطفات تاريخية منفصلة ومعزولة بدلا من إيلاء الأهمية للحالة
الهوياتية والاجتماعية والسياسية لهم، وهذا ما سعى إليه بوتاني ليس بتعداد
الدراسات والمؤلفات، بل بمحاولاته الجمة في بناء مصفوفة معرفية كبيرة ودقيقة ولم
شمل شظايا الذاكرة وربما صهرها في بوتقة أكثر انسجاما تحت مسمى الإبستمولوجيا
لتنظيم الأفكار والفهم الصح لكيفية بناء المعرفة الحقيقية والواقعية تاريخياً
وتحليلياً ذات معان ودلالات صلبة ومتماسكة ومتجانسة.
حاول بوتاني عبر مشروعه إيجاد أطر
معرفية ضامنة لاستدامة الذاكرة واستمراريتها وتحصينها من أي تسييس أو انصهار أو
ضياع، فهو لم يطرح القول الفصل في التدوين والسردية الكوردية تاريخيا، ولم يغلق
قوس التاريخ الكوردي وملفاته بأحكام مسبقة الجزم، وتجنب تقديم إجابات وتحليلات
وتفسيرات قطعية، بل فتح الأبواب أمام آفاق معرفية ومفهومية تتيح طرح وصياغة وولادة
قراءة وإشكاليات أعمق للأجيال القادمة.
لا أنظر إلى إرثه بعدده رقما، بل
إلى ما قدمه من ثقافة تحليلية وبحثية على هيئة منهجية علمية ورؤية رصينة وعقيدة
بحثية ترتقي بالوثيقة إلى المنطلق المعرفي، وتجعل التاريخ ساحة مفتوحة ومسار متجدد
للقراءة وتفكيك المسلمات أو ربما اعتباره حقل يجوز إخضاعه للمراجعة والتقييم
والنقد، وتضع حماية المراجع مسؤولية حضارية والتزام أخلاقي ومعرفي تجاه الأجيال
القادمة.
في النهاية، رحل المؤرخ بوتاني،
لكن إرثه المنهجي الشاخص، وحضوره الفكري، لن يرحل ما حيينا، وسيظل حاضرا في كل عودة
لنا إلى مواده التوثيقية فيما يتعلق بتاريخنا الكوردي، وفي كل محاولة دراسية
وبحثية معمقة سنقوم بها نحو الفهم والتحليل، وفي الخروج من ظلمة التناسي ونطاق
الشتات وهوامش التغييب إلى نور القراءة المنهجية والمساءلة النقدية. فالمؤرخ
الحقيقي لا يهمه حجم إنتاجه الموسوعي أو الكم المادي للمصنفات، ولا يكتسب مشروعيته
المعرفية من السيلان التأليفي، بل هو ذاك الذي يؤسس لوعي تاريخي؛ يُخرِج الذاكرة
من نطاق الاستذكار إلى نطاق التاريخ المستند إلى الوثيقة وبنية معرفية قائمة على
القراءة النقدية.



.webp&w=3840&q=75)
