مقدمة
كثفت وزارة المالية الاتحادية جهودها لإعداد موازنة العراق لعام 2027 وفق نظام جديد، عبر الانتقال من موازنة البنود التقليدية إلى موازنة البرامج والأنشطة، في خطوة تواجه عقبات كبيرة واختباراً صعباً في التطبيق خلال العام المقبل، في ظل إيرادات غير مستقرة ونفقات مرتفعة، يتصدرها نحو 100 تريليون دينار مخصصة للرواتب وحدها.
وزار وزير المالية، يوم الاثنين، دائرة الموازنة للاطلاع على المراحل النهائية لإعداد الموازنة، مؤكداً أن "الانتقال إلى موازنة البرامج والإنتاجية والكفاءة يتطلب عملاً مشتركاً وتنسيقاً مستمراً بين الجهات ذات العلاقة، وذلك لضمان إعداد موازنة تربط تخصيص الموارد بالبرامج والأهداف والنتائج".
يختلف النهج الجديد، الذي يسعى العراق إلى اعتماده في مسودة قانون موازنة 2027، جذرياً عن النظام الذي اتبعه خلال العقدين الماضيين. وكان مجلس الوزراء قد صادق في 2 حزيران 2026 على أسس الموازنة الجديدة، فيما من المقرر أن تساعد مجموعة البنك الدولي العراق في إعدادها وتنفيذها.
ويعد هذا النوع من الموازنات من بين الإجراءات التي يشجع صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي الحكومات على اعتمادها، لما يحدثه من تغيير في آلية إدارة الإيرادات والنفقات وربط الإنفاق بالأهداف والنتائج.
ويكمن الاختلاف الجوهري بين النظامين في أن موازنة البنود تركز على سؤال: "ماذا تشتري الحكومة؟"، أي المدخلات (Inputs)، في حين تركز موازنة البرامج على سؤال: "ماذا تحقق الحكومة؟"، أي المخرجات والنتائج (Outputs).
لكن السؤال الأبرز هو: هل يستطيع العراق، الذي واجه خلال العقدين الماضيين صعوبات في تنفيذ موازناته التقليدية القائمة على البنود، وشهد فجوة متكررة بين ما يقره البرلمان وما تنفذه الحكومة فعلياً، إعداد موازنة برامج وتنفيذها في ظل ضبابية الإيرادات وارتفاع النفقات، ولا سيما مع بلوغ نفقات الرواتب نحو 100 تريليون دينار؟

فجوة بين قانون الموازنة وبيانات وزارة المالية
خلال الفترة من 2015 إلى 2025، أمضى العراق عامين من دون موازنة، فيما سيكون عام 2026 ثالث عام لا تُقر فيه موازنة سنوية، ليجري الإنفاق وفق قاعدة (1/12).
لكن الأرقام تظهر أن وجود قانون للموازنة لا يعني بالضرورة تطابق التقديرات مع التنفيذ الفعلي، إذ ظلت الفجوة بين ما يُخطط له وما يتحقق على أرض الواقع قائمة في سنوات الموازنة كما في السنوات التي لم تُقر فيها موازنة.
ويتضح ذلك بصورة أكبر خلال الفترة من 2020 إلى 2026، التي شهدت ثلاث سنوات بموازنة وثلاث سنوات من دونها.
ففي عام 2025، على سبيل المثال، كان من المقرر أن يبلغ إجمالي نفقات العراق 199 تريليون دينار، وفقاً لقانون الموازنة الثلاثية (2023-2025)، في حين لم تتجاوز النفقات الفعلية 141 تريليون دينار. وفي جانب الإيرادات، قدرت الموازنة إجمالي الإيرادات بنحو 134 تريليون دينار، بينما بلغت الإيرادات النفطية وغير النفطية الفعلية 124 تريليون دينار.
وعند مقارنة قوانين الموازنة للأعوام من 2015 إلى 2025 بالأرقام الفعلية لوزارة المالية للفترة نفسها، تظهر فجوة كبيرة بين المبالغ المقدرة وما تحقق فعلياً، سواء على مستوى النفقات أو الإيرادات. ففي عام 2015، قُدّر إجمالي النفقات في الموازنة بنحو 119 تريليون دينار، في حين لم يتجاوز الإنفاق الفعلي، وفق أرقام وزارة المالية، 70.39 تريليون دينار، وسُجل أكبر تفاوت في النفقات الاستثمارية.
وتتكرر الصورة نفسها على مستوى الإيرادات. ففي عام 2015، قُدّر إجمالي الإيرادات في قانون الموازنة بنحو 94 تريليون دينار، بينما لم تتجاوز الإيرادات الفعلية في نهاية العام 66 تريليون دينار.
وفي عام 2024، قُدّر إجمالي الإيرادات بنحو 147 تريليون دينار، في حين بلغ فعلياً 140 تريليون دينار. أما في عام 2022، الذي لم يشهد إقرار قانون للموازنة، فقد بلغت إيرادات العراق 161 تريليون دينار، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط واستمرار صادراته.
وتكشف هذه الفوارق، رغم تفاوتها من عام إلى آخر، عن تحد آخر يتمثل في ارتفاع النفقات التشغيلية بالتزامن مع زيادة أعداد الموظفين. فخلال الفترة من 2015 إلى 2024، ارتفع عدد الموظفين من 2.98 مليون إلى 4.08 مليون موظف، وإذا أضيف إليهم المتقاعدون والمشمولون بالرعاية الاجتماعية، يرتفع العدد الإجمالي إلى قرابة 10 ملايين شخص.
وفي مقابل ارتفاع النفقات التشغيلية، ظل اعتماد العراق على الإيرادات النفطية مرتفعاً، فيما تراجعت مساهمة الإيرادات غير النفطية في تمويل الموازنة. ففي عام 2015، شكلت الإيرادات النفطية 78% من إجمالي الإيرادات، مقابل 22% للإيرادات غير النفطية. لكن حصة الإيرادات النفطية ارتفعت إلى 92% في عام 2023، قبل أن تبلغ 90% في 2024 و88% في 2025.

موازنة البرامج.. هل يمكن تطبيقها في ظل تركيبة العراق الحالية؟
الموازنة التقليدية هي أسلوب يقوم على تحديد احتياجات كل دائرة حكومية وتخصيص الأموال وفق بنود الإنفاق، مثل شراء المواد والمستلزمات والنفقات التشغيلية والاستثمارية، من دون أن يكون الإنفاق مرتبطاً بصورة مباشرة بحجم الخدمات المقدمة للمواطنين أو النتائج المتحققة.
في المقابل، تعد موازنة البرامج نهجاً مالياً أكثر حداثة، إذ تُوزع التخصيصات المالية على أساس أهداف وبرامج وأنشطة محددة، وتُربط النفقات بالخطط الاستراتيجية للدولة والنتائج المراد تحقيقها في قطاعات مختلفة، مثل الصحة والتعليم والصناعة.
ومن المقرر أن ترسل وزارة المالية العراقية مسودة موازنة 2027، التي تعمل على إعدادها حالياً، إلى مجلس الوزراء في نهاية الشهر الجاري، على أن تصل لاحقاً إلى البرلمان خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول لقراءتها والتصويت عليها. وحتى إذا سارت الإجراءات وفق المخطط، فإن تطبيق النظام الجديد في عام 2027 سيبدأ بصورة محدودة، ليشمل وزارتين ومحافظتين فقط.
ويمثل الانتقال من موازنة البنود التقليدية إلى موازنة البرامج تحولاً مهماً في إدارة المال العام، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن قدرة العراق على تطبيقه في ظل التركيبة الحالية للاقتصاد والقطاع العام، ويمكن تلخيص أبرز التحديات في أربعة محاور:
أولاً: القدرات البشرية وإنتاجية القطاع العام
في وقت تجاوز فيه عدد موظفي الدولة في العراق 4 ملايين شخص، يبلغ متوسط وقت العمل الفعلي للموظف الواحد نحو 17 دقيقة يومياً. وهنا يبرز أحد أهم التحديات أمام النظام الجديد: كيف يمكن ربط الموارد البشرية بالإنتاجية والنتائج، وهي إحدى الركائز الأساسية لموازنة البرامج؟
ثانياً: تراجع الإنفاق الاستثماري
خلال العقدين الماضيين، كان الإنفاق الاستثماري من أول القطاعات التي تطالها التخفيضات كلما واجهت الدولة ضغوطاً مالية أو اضطرت إلى تقليص النفقات. ويظهر ذلك بوضوح في موازنة الأعوام (2023-2025)، إذ سُجلت فجوة كبيرة بين التخصيصات الاستثمارية المرصودة وما أُنفق فعلياً، ولا سيما في قطاعي الكهرباء والصحة، حيث اقتربت الفجوة في بعض الحالات من 99%.
ثالثاً: ضبابية الإيرادات وتقلب صادرات النفط
يتمثل التحدي الثالث في عدم استقرار الإيرادات وحجم صادرات النفط. ففي ظل التطورات الراهنة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، تواجه أسعار النفط وحجم الصادرات حالة من عدم اليقين، ما يزيد صعوبة وضع تقديرات دقيقة للإيرادات.
رابعاً: تغيير سياسة بيع النفط الخام محلياً
قد يكون تغيير آلية بيع النفط الخام في السوق المحلية أحد التحولات التي ترافق موازنة البرامج، ولا سيما مع توجه الحكومة نحو إعادة النظر في سياسة بيع الخام محلياً بأسعار مخفضة.
وكان رئيس الوزراء العراقي قد قال خلال حوار بغداد الدولي الثامن: "في الحقيقة نحن نبيع النفط الخام محلياً بـ5 آلاف دينار أو مجاناً، وهذا يجب أن نغيره ولن يستمر".
ومن بين الطروحات بيع برميل النفط محلياً بسعر يقل بنحو 30% عن سعر السوق العالمية. ووفق هذا الافتراض، إذا بلغ سعر البرميل في السوق 90 دولاراً، فسيكون سعر بيعه محلياً نحو 60 دولاراً.
ومن شأن تطبيق هذه الآلية على نحو 1.1 مليون برميل تُخصص يومياً للاستهلاك المحلي أن يوفر إيرادات تقترب من 20 تريليون دينار سنوياً، وهو مبلغ كبير مقارنة بإجمالي إيرادات الدولة.
لكن السؤال يبقى حول مدى إمكانية تطبيق خطوة كهذه وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما أن أي زيادة في كلفة النفط المجهز محلياً قد تنعكس على قطاعات أخرى. وقد برزت مؤشرات على حساسية هذا الملف مع قرار إطفاء المولدات الأهلية بعد الساعة 12 ليلاً، فضلاً عن إضافة نفقات نحو 200 ألف موظف في الشركات التابعة لوزارة النفط إلى النفقات العامة.
ختاماً
يتطلب تطبيق هذا النظام المالي الجديد بنية تكنولوجية متطورة، إلى جانب توحيد بيانات الإيرادات والنفقات وربطها بأنظمة قادرة على قياس الأداء والنتائج، على غرار تجارب دول مثل ماليزيا، وبما ينسجم مع التوجه الذي أشار إليه صندوق النقد الدولي في تقريره المعنون "أنفق بذكاء أكبر".
ورغم أن العراق قد يكون قادراً من الناحيتين القانونية والنظرية على الانتقال إلى موازنة البرامج، فإن تطبيقها عملياً سيكون أكثر تعقيداً ما لم ترافقه إصلاحات جوهرية في إدارة الإنفاق العام، ولا سيما خفض الضغط المتزايد للنفقات التشغيلية والسيطرة على فاتورة الرواتب والمصروفات العامة.
وفي ضوء ذلك، يضع الانتقال إلى موازنة البرامج العراق أمام سيناريوهين؛ الأول، أن تنجح التجربة في تعزيز الشفافية، وتحسين الرقابة على الإنفاق، وإعادة تنظيم عملية تحصيل الإيرادات، وربط الأموال التي تنفقها الدولة بنتائج فعلية وقابلة للقياس. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن تؤدي صعوبة التطبيق وضعف القدرات الإدارية والمؤسساتية إلى نتائج عكسية، من بينها زيادة الروتين، وتعقيد قانون الموازنة وآليات تنفيذه، فضلاً عن احتمال تراجع الاهتمام بالقطاعات الأضعف في حال عدم تحديد أهدافها ومؤشرات أدائها بصورة دقيقة.
ولا تقتصر تداعيات هذا التحول المالي على بغداد، بل تمتد مباشرة إلى الوضع المالي والاقتصادي لإقليم كوردستان، إذ إن أي تغيير جوهري في آلية إعداد الموازنة وتوزيع النفقات والإيرادات سيعيد طرح مسألة حصة الإقليم وطريقة احتسابها ضمن النظام الجديد.
لذلك، سنتناول في الجزء المقبل كيفية تحديد حصة إقليم كوردستان في مواد وأرقام قوانين الموازنة العراقية خلال العقد الماضي، وما الذي ينبغي أن يطالب به الإقليم في ظل الانتقال إلى موازنة البرامج، ولماذا؟
.webp&w=3840&q=75)


