إنَّ إعلان مظلوم عبدي من قامشلو في العشرين من آب، أنَّ مرحلة دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية قد انتهت، هو خبرٌ جيدٌ، ولكنَّ الأهم من اكتمال هذه المرحلة هو ما أعلنه بعدها: أنَّ مرحلةً جديدة قد بدأت وأنَّ تثبيت حقوق الكورد في الدستور سيكون ميدان العمل في المرحلة المقبلة.
بهذه الكلمات انتقلت واحدة من أعقد قضايا سوريا من سؤال القوة والسلاح والسيطرة على الأرض إلى سؤال الدولة والدستور والانتماء والمواطنة. وقد يكون هذا الانتقال إذا صدقت النيات وأُحسن تنفيذه أهم من أي مكسب حققه أي طرف خلال سنوات المواجهة، لأن السلام الحقيقي لا يبدأ عندما يصمت السلاح وحده، وإنما عندما يطمئن من كان يحمله إلى أنه لم يعد محتاجاً إليه لحماية وجوده وحقوقه.
ومن أخطر ما يمكن أن يفسد هذه اللحظة أن تُقرأ بمنطق المنتصر والمهزوم. فإذا رأت دمشق في الاندماج استسلاماً كوردياً، لا عودةً متكافئة إلى الدولة، فإنها تزرع منذ البداية بذور نزاع جديد. وإذا رأت القيادات الكوردية فيه مجرد تبديل للأسماء والرايات، مع إبقاء بنية موازية للدولة ترقب تبدل الظروف وموازين القوى، فإنها تُبقي أسباب الصراع كامنة وإن صمت السلاح.
إن سوريا التي يُراد لها أن تنهض من هذه المحنة لا يمكن أن تقوم بجيشين ولا بسيادتين، كما لا يمكن أن تستقر بدولة تنكر على مواطن لغةً أو ثقافةً أو هويةً أو حقًا في المشاركة والكرامة.
ولم تولد هذه اللحظة من فراغ، بل سبقتها مسيرة طويلة من التفاوض والاختبار والشدّ والجذب، فقد وضع اتفاق العاشر من آذار 2025 الأساس السياسي والقانوني لهذا التحول، حين نص صراحة على أن المجتمع الكوردي مكوّن أصيل في الدولة السورية، وعلى ضمان المواطنة والحقوق الدستورية لجميع السوريين، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن مؤسسات الدولة، وتأمين عودة المهجرين، ورفض التقسيم وخطاب الكراهية، ثم جاءت تفاهمات كانون الثاني 2026 لتنقل تلك المبادئ من مستوى الإعلان إلى مستوى التنفيذ، فرسمت ترتيبات أكثر تحديداً لدمج القوات والأجهزة والمؤسسات، وإعادة المعابر والموارد إلى سلطة الدولة، وتنظيم المشاركة والتمثيل وعودة النازحين.
ولكنَّ الاتفاقات مهما أحكمت عباراتها دون تطبيق بنودها لا تصنع وحدها وطناً، وما تحتاج إليه سوريا اليوم يقوم في تقديري على عدة شروط أساسية ثم على ضمانة تحميها جميعاً.
الشرط الأول: دفنُ منطق الماضي، لا دفن حقيقة الماضي.
فللكورد السوريين ذاكرة مثقلة بوقائع لا يجوز مطالبتهم بمحوها: إحصاء عام 1962، والحرمان من الجنسية، والتضييق على اللغة والثقافة، وسياسات خلّفت شعوراً عميقاً وطويلاً بالتهميش. وللعرب والسريان والآشوريين وغيرهم في شمال شرقي سوريا، بدورهم، تجارب ومظالم وشكاوى تراكمت خلال سنوات الحرب وما رافقها من حكم القوة والإدارة المسلحة. وليس من الحكمة أن يُبنى المستقبل على إنكار ذاكرة أحد، كما لا يجوز أن تتحول تلك الذاكرات إلى سجلات اتهام جماعية تتوارثها الأجيال، فتظل أسباب النزاع كامنةً تحت السطح، يستدعيها كل من أراد إعادة السوريين إلى مربع الخصومة والصراع.
ودفن الماضي لا يعني إعفاء من ارتكب جريمة من المساءلة، ولا إسقاط حق لمتضرر، ولا إسكات أسرة تبحث عن مفقود، ولا حرمان مهجّر من حقه في العودة إلى بيته. فهذه حقوق لا تسقط بالمصالحة، ومكانها القضاء والعدالة الانتقالية وردّ المظالم إلى أهلها.
أمّا الذي يجب أن يُدفن حقاً فهو منطق الثأر الجماعي، وأن تُحمَّل جماعةٌ بأكملها وزر ما ارتكبه أفراد أو سلطات أو تنظيمات باسمها؛ فلا يصبح العربي مسؤولاً عن ظلم وقع على كوردي لمجرد أنه عربي، ولا يُحمَّل الكوردي تبعة تجاوز ارتكبته جهة مسلحة لمجرد أنه كوردي.
فالمصالحة التي تُفلت المجرم من الحساب ليست عدالة، والمصالحة التي تورّث الأبناء خصومات الآباء ليست سلاماً. والدولة تبدأ من اللحظة التي تصبح فيها المسؤولية شخصية، والقانون عاماً، والحقوق متساوية؛ فلا يُدان إنسان بهويته، ولا يُمنح امتيازاً بسببها، ولا يدفع مواطن ثمن جريمة لم يرتكبها.
الشرط الثاني: صدق النية وإخلاص الالتزام من الجانبين
على دمشق أولاً أن تثبت بالفعل أن استعادة مؤسسات الدولة لا تعني استعادة السياسات التي صنعت أسباب المشكلة في الماضي؛ فعودة الدولة ينبغي أن تكون عودةً إلى دولة المواطنة والقانون، لا عودةً إلى الإنكار والإقصاء. والاعتراف بالحقوق الكوردية يجب ألا يكون استجابةً مؤقتة لموازين قوة عابرة، تُمنح اليوم ثم يُتراجع عنها غداً إذا تبدلت الظروف.
وما صدر حتى الآن، وفي مقدمته المرسوم الرئاسي رقم 13 لسنة 2026، يحمل خطوات مهمة في هذا الاتجاه؛ من الاعتراف بالكورد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، والاعتراف باللغة الكوردية لغةً وطنية، ومعالجة آثار إحصاء عام 1962 وأوضاع مكتومي القيد، والاعتراف بعيد نوروز، وحظر التمييز على أساس قومي أو لغوي. غير أن القيمة الحقيقية لهذه النصوص لن تُقاس بجمال عباراتها ولا بحفاوة استقبالها يوم صدورها، وإنما بقدرتها على الصمود حين تتغير الحكومات والرجال والظروف، وبما يلمسه المواطن في المدرسة والإدارة والقضاء والوظيفة العامة وممارسة ثقافته ولغته من غير خوف ولا تمييز.
وفي المقابل تقع على القيادات الكوردية مسؤولية لا تقل ثقلا ًولا وضوحاً. فإذا اختارت أن تكون جزءاً من الدولة السورية، فعليها أن تدخل الدولة كاملة، لا أن تدخل مؤسساتها وتُبقي خارجها مركز قرار موازٍ أو قوةً تحتفظ لنفسها بحق العودة إلى السلاح عند أول خلاف، فلا يمكن بناء دولة مستقرة بسلطتين، ولا تثبيت سيادة حقيقية بقرار أمني موزع بين مرجعيات متعددة، ولا يصح أن يبقى الانتماء إلى الدولة مشروطاً ببقاء ميزان قوى خارجي أو حماية أجنبية.
ولهذا يجب أن يكون الصدق متبادلاً لا انتقائياً: لا عودة من جانب الدولة إلى إنكار الكورد أو الانتقاص من حقوقهم، ولا عودة من الجانب الكوردي إلى بناء دولة داخل الدولة. وإذا التزم الطرفان بهذه القاعدة، انتقل الاتفاق من مساومة فرضتها الظروف إلى عقد وطني يمكن أن يعيش بعد تبدل الظروف نفسها.
الشرط الثالث: بناء الثقة حتى تصبح راسخة
قد تبدو الثقة الكاملة مطلباً بالغ الصعوبة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والخوف المتبادل، لكنها ينبغي أن تبقى الغاية التي يتجه إليها الجميع. فالثقة لا تُنشأ بمرسوم، ولا تُفرض بقرار سياسي، ولا يكفي أن يعلنها القادة حتى تستقر في نفوس الناس، إنها تُبنى ببطء وتتراكم من مئات الوقائع اليومية التي يشعر المواطن من خلالها أن الدولة لم تعد خصماً له، وأن اختلاف هويته لا ينقص من حقه شيئاً.
تبدأ الثقة حين يحترم الشرطي المواطن قبل أن يعرف قوميته وحين ينظر القاضي إلى الحق قبل أن ينظر إلى الاسم والانتماء، وحين لا يُقصى موظف لمجرد أنه خدم في مؤسسة سبقت الاندماج ما لم تثبت عليه جريمة، وحين يعود المهجّر إلى بيته آمناً، ويسترد صاحب الحق حقه، ويتعلم الطفل الكوردي لغته من غير خوف أو حرج، ويشعر الطفل العربي أو السرياني أو الآشوري أن الإدارة المحلية تمثله وتحمي مصالحه بالقدر نفسه الذي تمثل فيه جاره الكوردي، عندئذ تتحول الدولة في الوعي العام من سلطة تُخشى إلى مؤسسة يُلجأ إليها.
وتكبر الثقة كلما تراجعت لغة التخوين والشك المتبادل، فليست كل مطالبة بحق قومي دعوةً إلى الانفصال، كما أن التمسك بوحدة الدولة ليس دعوةً بالضرورة إلى التعريب أو محو الخصوصيات، وبين هذين الاتهامين أُهدرت في المنطقة فرص كثيرة، لأن كل طرف كان يقرأ خوف الآخر بوصفه مؤامرة، ويقرأ مطالبته بالضمان بوصفها تهديداً.
غير أن الثقة مهما بلغت بين الأشخاص، لا يجوز أن تكون الأساس الوحيد الذي يُبنى عليه مستقبل دولة. فحسن نية الرجال مهم، لكنه لا يكفي؛ لأن الرجال يتغيرون، والمناصب تزول، وموازين القوى تتبدل، وهنا تبرز الضمانة الرابعة والأبقى: الدستور، لا بوصفه نصاً احتفالياً يوضع في صدر الدولة، بل باعتباره عهدها الأعلى مع مواطنيها، وميزان السلطة، وضمان الحقوق، والحد الذي لا يجوز أن تتجاوزه إرادة الحاكم أو تقلبات السياسة.
ومن هنا فإن انتقال القضية الكوردية من السلاح إلى الدستور لا ينبغي أن يُفهم تراجعاً عن الحقوق أو خسارةً لها، متى كان الدستور صادقاً ونافذاً ومحصناً بقضاء مستقل ومؤسسات مسؤولة، بل قد يكون هذا الانتقال أرقى مراحل تثبيت تلك الحقوق، لأن الحق الذي تحرسه البندقية يبقى رهين ميزان القوة، وقد يضعف حين يختل ذلك الميزان، أما الحق الذي يستقر في الدستور ويحميه القضاء وتؤيده المؤسسات المنتخبة، فيتحول من مكسب ظرفي إلى مركز قانوني لا يجوز العبث به كلما تغيرت السلطة.
وهنا تتضح المعادلة التي يمكن أن تكون أساس سوريا الجديدة: السلاح للدولة، والحقوق للدستور. فلا سلاح خارج مؤسسات الدولة ينازعها سيادتها أو يهدد وحدتها، ولا سلطة داخل الدولة تتعامل مع حقوق المواطنين كأنها عطية تمنحها متى شاءت وتسحبها متى شاءت. السيادة الحقيقية لا تكتمل بمجرد احتكار السلاح؛ إنها تكتمل حين يقابل احتكار الدولة للقوة التزام دستوري صارم بعدم استعمال تلك القوة لإنكار حق أو فرض هوية أو إقصاء مكوّن.
ولا يهدد وحدة سوريا أن تتمتع مجتمعاتها المحلية بإدارة فعلية ومشاركة واسعة في شؤونها ضمن الإطار الذي يقرره السوريون في دستورهم، كما أن حقوق الكورد لا تحتاج إلى سيادة عسكرية تنازع سيادة الدولة حتى تكون مصونة. فالدولة القوية ليست الدولة التي تنتزع أكبر قدر ممكن من السلطات من مجتمعها، وإنما الدولة التي تجعل مواطنيها مقتنعين بأن حقوقهم أكثر أمناً داخل مؤسساتها منها خارجها.
لقد قاتلت قوات سوريا الديمقراطية تنظيم داعش ودفعت في تلك المواجهة أثماناً جسيمة، وهذه حقيقة لا يجوز أن تمحى من الذاكرة. كما أن بقاء أجزاء واسعة من البلاد خارج مؤسسات الدولة إلى أجل غير معلوم لم يكن سبيلاً إلى استقرار دائم ولا أساساً صالحاً لبناء مستقبل مشترك. والاعتراف بالحقيقتين معاً أشجع وأعدل من انتقاء إحداهما وإسقاط الأخرى.
وإذا كان المقاتلون الذين جاؤوا من خارج سوريا قد غادروا بالفعل، وإذا انتقل السلاح والإدارة والأمن إلى المؤسسات الوطنية كما أعلن، فإن ذلك ينزع واحداً من أخطر فتائل النزاع الإقليمي حول شمال شرقي البلاد. لكنه يضع على الدولة السورية في المقابل مسؤولية أشد وأثقل: فكلما ازداد احتكار الدولة لأدوات القوة ازداد واجبها في أن تكون دولة الجميع لا دولة الغالب على المغلوب.
كما أن المرحلة المقبلة يجب ألا تُختصر بين دمشق وقامشلو. فالجزيرة السورية ليست كوردية وحدها ولا عربية وحدها. هي موطن للكورد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم. وأي ترتيب جديد يستبدل هيمنة بهيمنة أخرى لن يحل المشكلة وإنما سيعيد إنتاجها باسم جديد. المطلوب شراكة تجعل كل هذه المكونات ترى نفسها في الإدارة والتعليم والأمن والقضاء والاقتصاد والثقافة.
وسوريا أحوج ما تكون اليوم إلى نجاح من هذا النوع. بلد أنهكته الحرب ودفع من دم أبنائه وعمرانه ومستقبله ما يكفي لا يحتمل جولة أخرى بسبب هوية مواطنيه. وموارده التي تحولت خلال سنوات الصراع إلى موضوع للتنافس والنفوذ ينبغي أن تصبح مورداً لإعمار المدارس والمستشفيات والطرق وخلق فرص العمل. وحين يشعر ابن الحسكة ودير الزور والرقة وكوباني وقامشلو بأن النفط والحدود والمؤسسات ملك لدولة تمثله وتحمي حقه فعلًا، لا غنيمة لفريق ولا مورد قوة لطرف، تبدأ علاقة المواطن بالدولة نفسها في التغير.
لقد انتهت، بحسب إعلان مظلوم عبدي، مرحلة الاندماج العسكري والأمني والإداري. لكن الاندماج الأصعب لم ينته؛ اندماج النفوس في معنى الوطن الواحد.
وهذا لا يتحقق بتبديل الأعلام فوق المباني وحده. يتحقق عندما يستطيع الكوردي أن يقول إنه كوردي من غير أن يوضع انتماؤه السوري موضع شك، والعربي أن يتمسك بوحدة بلاده من غير أن يُتهم بإنكار حقوق الآخرين، والسرياني والآشوري والأرمني أن يجدوا في الدولة مكانهم المتساوي لا موقعاً هامشياً فيها، وحين يعرف الجميع أن اختلاف اللغة أو القومية لا ينتقص شيئاً من المواطنة ولا يزيد فيها شيئاً.
إذا استطاعت سوريا أن تطوي منطق الماضي من دون أن تنكر آلامه، وأن يخلص الطرفان في النية ويصدقا في القول والتنفيذ، وأن يبنيا الثقة حتى تصبح ثقة بالدولة ومؤسساتها لا بالأشخاص ومواقعهم، فإن ما جرى في شمال شرقي البلاد لن يكون مجرد نهاية تشكيل عسكري أو إدارة فرضتها ظروف الحرب.
قد يصبح بداية فكرة أكبر: أن تتعلم سوريا، بعد كل ما دفعته من أثمان، أن وحدة البلاد لا تحتاج إلى إنكار تنوعها، وأن حماية التنوع لا تحتاج إلى تقسيم البلاد.
وعندئذ لن يكون أعظم نجاح للاتفاق أن تختفي راية مسلحة من فوق مبنى، بل أن تختفي الحاجة إلى حمل السلاح أصلًا لحماية هوية أو لغة أو حق .
أ.د. أنور أبوبكر كريم أمين الجاف
كلية السلام الجامعة / بغداد


