في الأول من تشرين الثاني 2008 وفي قاعة بكلية الطب في جامعة السليمانية سألت البروفيسور الأميركي مايكل هاناهان الزائر، عن الغموض الذي أحاط بمسودة الاتفاق الأمني بين العراق والولايات المتحدة وعن أثر الترجمة العربية في تحديد الحقوق والالتزامات، فأقر بأن الاتفاق كُتب في جو ضبابي، ثم تساءل عن سبب عدم إثارة الساسة الكورد لهذه المسائل في بغداد، فقد دفعتني تلك المناقشة إلى مراجعة النص بنداً بنداً، ثم إلى نشر دراسة عام 2010 انتهت إلى أن موعد الانسحاب قد ينهي صفة القوات القتالية، لكنه لا ينهي بالضرورة النفوذ الأمني الأميركي ولا الحاجة العراقية إليه، وبعد نحو ثمانية عشر عاماً لم يعد السؤال الأهم، هل كان النص غامضاً، بل ماذا بقي من قيمته عندما اضطرت جمهورية العراق إلى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن بسبب استعمال أجوائها في حرب على دولة مجاورة.
لم تكن وثائق 2008 اتفاقاً واحداً يؤدي وظيفة واحدة، فقد أقر العراق والولايات المتحدة اتفاق سحب القوات الأميركية وتنظيم أنشطتها أثناء وجودها المؤقت وأقرا معه اتفاق الإطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون طويلة الأمد، الأول نظم الوجود العسكري وحدد الانسحاب الكامل في نهاية 2011 وانتهى بانتهاء مدته والثاني بقي أساساً للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي والتعليمي والقضائي وهذا التفريق لازم، لأن الخلط بين الوثيقتين يسمح بإحياء التزام انتهى أو إسقاط التزام ما زال قائماً، كما أن أي وجود عسكري جاء بعد 2011 لم يكن تمديداً تلقائياً لاتفاق سحب القوات، بل استند منذ 2014 إلى دعوة عراقية لمواجهة داعش، ثم وصف في الحوار الاستراتيجي لعام 2021 بأنه تدريب ومشورة ومساعدة وتبادل للمعلومات من دون مهمة قتالية.
كانت الفقرة الثالثة من المادة السابعة والعشرين، أشد مواد الاتفاق الأمني اتصالاً بما جرى لاحقاً، إذ قررت أنه لا يجوز استعمال أراضي العراق ومياهه وأجوائه ممراً أو منطلقاً لشن هجمات على دول أخرى، ولهذا الحكم أصل راسخ في فقه المعاهدات والموادعة، فقد جعل القرآن الميثاق قيداً حتى على واجب النصرة العسكرية، فقال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) وإذا خيف نقض الموادعة لم يبح ذلك التحلل منها خفية أو مقابلة الخيانة بمثلها بل يكون إنهاؤها معلناً معلوماً للطرفين: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ) فالعهد يقيد استعمال القوة كما يقيد الطريق القانوني إلى إنهائه ولم يكن هذا النص منحة أميركية للعراق بل تثبيتاً لسيادة الدولة ولواجبها الدستوري في رعاية حسن الجوار وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وفي الدراسة القديمة وضعت أمام النص سؤالاً عملياً: هل تتصدى القوة المتحالفة مع العراق للطائرات التي تقصف قرى إقليم كوردستان أم تبقى عبارة ردع المخاطر الأمنية حبراً ينتظر تفسير الطرف الأقوى وكان السؤال في ذلك الوقت متعلقاً بجزء من البلاد أما اليوم فقد صار متعلقاً بسماء العراق كلها وبحق الدولة في أن تعرف من عبرها ولماذا وكيف عجزت عن منعه.
في 13 حزيران 2025 وجه العراق الرسالة المرقمة S/2025/382 إلى رئيس مجلس الأمن واحتج فيها على الهجوم الإسرائيلي على إيران من خلال الأجواء العراقية وبذلك انتقل الأمر من احتمال كانت تناقشه دراسة قانونية إلى ادعاء رسمي سجل في وثائق الأمم المتحدة وبعد ثلاثة أيام أعلن قادة مجموعة الدول السبع أن لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها ووصفوا إيران بأنها المصدر الرئيس لعدم الاستقرار والإرهاب في المنطقة، ثم وسعت الولايات المتحدة دائرة القوة بضرب المنشآت النووية الإيرانية ليلة 21 على 22 حزيران ولم يخصص بيان الدول السبع كلمة لسيادة العراق أو لحقه في سلامة أجوائه، مع أنه حرص على أمن إسرائيل وحماية المدنيين واستقرار أسواق الطاقة وهذه الموازنة في الألفاظ مهمة لأن القانون الدولي لا يقاس بما تذكره البيانات وحده، بل بما تتعمد إسقاطه أيضاً.
لا تمنح المادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة أي دولة إذناً مفتوحاً لبدء حرب تحت عنوان الدفاع عن النفس، فهذا الحق يرتبط بوقوع هجوم مسلح وبشرطي الضرورة والتناسب وبإبلاغ مجلس الأمن وحتى إذا تمسكت دولة بحقها في مواجهة دولة أخرى فإن ذلك لا يبيح لها اختراق إقليم دولة ثالثة لم تشارك في الهجوم وسيادة العراق على أجوائه محمية بحظر استعمال القوة الوارد في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق وبقواعد المسؤولية الدولية ولا تسقط بحجة أن الطائرات كانت متجهة إلى هدف خارج العراق، فالعبور العسكري غير المأذون به هو فعل يمس الدولة التي اخترقت أجواؤها قبل أن يبلغ هدفه ولا يجوز تحويل ضعف القدرة على المنع إلى رضا قانوني مفترض.
مع ذلك، لا يصح الاحتجاج بالفقرة الثالثة من المادة السابعة والعشرين بوصفها التزاماً تعاقدياً نافذاً في 2025، لأن اتفاق سحب القوات انتهى في 31 كانون الأول 2011 وهذه الدقة لا تضعف الحجة العراقية بل تعيدها إلى سندها الصحيح وهو الدستور وميثاق الأمم المتحدة والقواعد العامة التي تحمي الإقليم الجوي ويبقى اتفاق الإطار الاستراتيجي أساساً للتعاون القائم لكنه ليس معاهدة دفاع مشترك تلزم الولايات المتحدة تلقائياً باعتراض كل طائرة تخترق العراق ومن ثم فإن السؤال القانوني الموجه إلى بغداد لا يقتصر على مطالبة واشنطن بما لم تتعهد به، بل يشمل ما طلبته الحكومة العراقية فعلاً من الشريك الأمني وما تضمنته الترتيبات التنفيذية غير المنشورة وما إذا كانت وسائل الرصد والإنذار الموجودة قد نقلت المعلومة في وقتها إلى القيادة العراقية.
تزداد أهمية هذا السؤال لأن العلاقة العسكرية لم تنته عند حدود الانسحاب المعلن، فقد اتفق الطرفان في أيلول 2024 على مرحلتين وحددت الأولى نهاية أيلول 2025 لإنهاء مهمة التحالف العسكرية داخل العراق وأبقت الثانية إمكان دعم عمليات مكافحة داعش في سوريا من داخل العراق حتى أيلول 2026 على الأقل بحسب الظروف والمشاورات، ثم أعلنت وزارة الدفاع الأميركية في الأول من تشرين الأول 2025 خفض المهمة والانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية طويلة الأمد في ظل الدستور العراقي واتفاق الإطار الاستراتيجي وبذلك صدقت الفكرة الأساسية التي وردت في دراسة 2010 فقد انتهى اسم وتغيرت صفة وبقيت الوظيفة الأمنية بصيغ جديدة وهنا يصح استحضار أصل الشاطبي في أن "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً" فحكم الشراكة الأمنية لا يتحدد بالاسم الذي انتقلت إليه بل بما تنتهي إليه من سلطة فعلية على الأرض والجو والقرار ولم يعد عد الجنود أو وصفهم قتاليين أو مستشارين كافياً لقياس السيادة ما دام نطاق المهمة وقواعد استعمال الأرض والجو ووسائل المراقبة غير معروضة على الرأي العام بوضوح.
ويظهر الاضطراب نفسه في تطبيق القانون الدولي خارج العراق، ففي أوكرانيا تتمسك الدول الكبرى بحرمة الحدود وتعد خرقها مساساً بالنظام الدولي وفي غزة ولبنان تتراجع حماية المدنيين أمام اتساع تفسير الدفاع عن النفس وفي السودان يطول النزاع من دون ضغط يوازي حجم الكارثة وتصدر محكمة العدل الدولية تدابير ملزمة وتصدر المحكمة الجنائية الدولية أوامرها ثم يبقى التنفيذ رهين إرادة الدول ومجلس الأمن وهذه الوقائع لا تعني سقوط القانون، لأن سقوطه الكامل يترك الضعفاء بلا حجة، لكنها تؤكد أن النص الذي لا تسنده مؤسسة وطنية قادرة ودبلوماسية موثقة وتحالفات محددة الالتزامات يتحول إلى احتجاج لاحق بعد وقوع الضرر.
ويقف العراق الآن أمام موعد أيلول 2026 وهو أحوج إلى وثيقة أمنية معلنة من حاجته إلى تبديل أسماء المهمات وينبغي أن تعرض أي شراكة ثنائية جديدة على مجلس النواب إذا كانت في حقيقتها معاهدة أو اتفاقاً دولياً يرتب وجوداً عسكرياً أو صلاحيات تمس السيادة وفق المادة الحادية والستين رابعاً من الدستور وقانون عقد المعاهدات رقم 35 لسنة 2015 وأن تحدد بدقة مهمة القوات وأماكنها ومدتها وسلسلة إصدار الأوامر والاختصاص القضائي عن الجرائم والأضرار وأن تلزم بالتبليغ الفوري عن أي اختراق جوي وبمساعدة العراق على منعه بناء على طلبه وأن تعيد النص صراحة على حظر استعمال أرضه ومياهه وأجوائه منطلقاً أو ممراً للهجوم على دولة أخرى وأن تشمل الحماية جميع أراضيه بما فيها إقليم كوردستان، مع تقرير دوري يبين للبرلمان ما نفذ وما تعذر وما اتخذ عند الخرق، لأن اللجان المشتركة لا تعوض رقابة ممثلي الشعب والسرية الفنية لا تبرر إخفاء أصل الالتزام وحدوده.
لا يخدم العراق أن يختار بين فراغ أمني يتيح عودة الإرهاب وبين شراكة لا يعرف مواطنوه مضمونها، فالاستقلال لا يتحقق بمجرد رحيل وحدة عسكرية، كما أن الأمن لا يتحقق بمجرد بقائها والسيادة الحقيقية أن تملك الدولة قرار الدعوة وحدود المهمة ومعلومة العبور وقدرة الاعتراض وحق المحاسبة وأن يكون الشريك مقيداً بنص يمكن الاحتجاج به عند الخرق، لقد منعت اتفاقية 2008 استعمال العراق معبراً للحرب ثم انتهت وبقي العراق بعد انتهائها يقدم إلى مجلس الأمن شكوى من العبور نفسه وهذه النتيجة لا تدين النص وحده ولا تبرئه، لكنها تدين ترك السياسة الأمنية تنتقل من صيغة إلى أخرى بلا بناء قانوني يساوي بين الحاجة إلى الحماية وواجب صيانة القرار الوطني وقبل حلول أيلول 2026 يجب أن يكون السؤال العراقي واضحاً، ما الذي ستلتزم به الولايات المتحدة لحماية سيادة العراق وما الذي سيلتزم به العراق حتى لا تكون أرضه وسماؤه جزءاً من حرب لم يقرر دخولها.


.jpg&w=3840&q=75)
