في خضم التناقض الصارخ الذي يلف تفاصيلها اليومية، تطوي مدينة قامشلو كبرى حواضر شمال شرق سوريا، قرناً كاملاً على تأسيسها الرسمي في هذا الشهر آب 2026.
غير أن هذه الذكرى التاريخية المديدة لا تجد صدىً حقيقياً لبهجتها في نفوس السكان؛ فخلف اليافطات والشعارات الرسمية المرفوعة للاحتفاء بـ "قامشلو.. المئة التي صنعت مدينة"، تقف هذه الحاضرة العريقة (قامشلو، القامشلي، بيث زالين) منكفئة على جراحها المعاصرة وهي تشهد نزيفاً حاداً يُفرغ أدمغتها وكفاءاتها الشابة نحو دروب الاغتراب.
هذا الانكماش الديموغرافي القاسي لا ينفصل عن واقع مدني مأزوم تُوثقه حفر الشوارع المهترئة، وتنعاه أنقاض المعالم التاريخية المهدومة، ممّا يضع الحاضرة في مواجهة مباشرة مع أسئلة الهوية التراثية المبددة، ومصيرها الإداري المعلق في خضم صراعات الأمر الواقع واتفاقات الاندماج المؤسساتي المتعثرة.
عبقرية النشأة الحضارية.. من رصيف القصب إلى هندسة الشطرنج
تأسست قامشلو الحديثة في آب 1926 عندما تمركزت الحامية الفرنسية فوق "تل بدن" الأثري، وبدأت ملامح التجمع الحضري تتشكل على ضفاف نهر جقجق وسط مساحات تنبت فيها نباتات القصب الــ (قاميش).
تميزت المدينة بتخطيط هندسي فريد وضعه الملازم الفرنسي "تيريه" بالتعاون مع المهندس اليوناني "خرالمبوس" على شكل رقعة شطرنج مستقيمة ومتقاطعة، لتتحول سريعاً من بضعة منازل طينية إلى حاضرة اقتصادية وتجارية منوعة، جمعت الكورد والعرب والسريان والأرمن والآشور واليهود في لوحة تعايش فريدة.
نزيف المئوية: هجرة الشباب وإفراغ المدينة من طاقاتها.
إن الوجه الأكثر إيلاماً لقامشلو في مئويتها الأولى لا يكمن في تدهور حجارتها، بل في خسارة عقولها وطاقاتها الشابة. تشهد المدينة منذ سنوات موجات هجرة جماعية غير مسبوقة نحو أوروبا ودول الجوار، أفرغت الأحياء التاريخية من جيل الشباب الذي يمثل عصب الحياة والمستقبل.
ويعزو الخبراء الاجتماعيون هذا النزيف البشري إلى انسداد الأفق الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، بالإضافة إلى الأوضاع الأمنية القلقة والتهرب من سياسات التجنيد الإجباري.
هذا الإفراغ الديموغرافي جعل قامشلو تبدو مدينةً يغلب عليها كبار السن، حيث تهاجر النخب الفكرية والطبية والهندسية، ممّا يهدد النسيج المجتمعي ويفقد المدينة قدرتها على التجدد والنهوض في مئويتها الأولى.
زلزال التراث: هدم بلدية 1935 وتفجير السجال السياسي حول "الأمر الواقع"
بالتزامن مع هذه المئوية، عاش الشارع في قامشلو صدمة وجدلاً واسعاً في مطلع شهر تموز 2026، إثر قيام الآليات الهندسية التابعة لبلدية الشعب في الإدارة الذاتية بهدم مبنى البلدية الأثري والتاريخي الواقع وسط سوق المدينة، والذي يعود تاريخ تشييده إلى عام 1935.
وجاء قرار الهدم بعد نحو أسبوعين فقط من احتفاء شعبي بظهور لوحة تأسيس المبنى التاريخية المنقوش عليها "دار بلدية القامشلية". أثار الهدم موجة استياء واسعة من منظمات المجتمع المدني والقوى الثقافية التي اعتبرت الخطوة اعتداءً على الذاكرة الجماعية والإرث العمراني للمدينة.
وفي المقابل، دافعت بلدية الإدارة الذاتية عن قرارها، معتبرة أن المبنى لم يعد قادراً من الناحية الفنية والاستيعابية على تلبية احتياجات مدينة يقطنها نحو مليون نسمة مقارنة بـ5 آلاف نسمة وقت إنشائه، معلنة عن مشروع استثماري لبناء برج تجاري ومبنى خدمي حديث مع الاحتفاظ بملكية الأرض وصون اللوحة التاريخية لعرضها في المتاحف.
هذه الخطوة فتحت سِجالاً سياسياً حاداً يرتبط بمصير المدينة الإداري؛ إذ أدان الفريق الرئاسي المكلّف بتنفيذ "اتفاق 29 كانون الثاني" الخاص بدمج قسد والمؤسسات مع الحكومة المركزية عملية الهدم، واصفاً إياها بالتصرف الأحادي غير القانوني في ممتلكات الدولة والأملاك العامة التي تخص جميع السوريين.
ودعا الفريق الرئاسي مؤسسات الإدارة الذاتية التي لم تستكمل بعد إجراءات الاندماج الكامل إلى التوقف الفوري عن فرض وقائع جديدة على الأرض. وردت البلدية بأن العقود والمشروع أُقرا قانونياً ودخلا حيز التنفيذ خلال عام 2025، وأن "اتفاق 29 كانون الثاني" ينص على استمرار العقود والمعاملات الصادرة سابقاً.
ندوب القرن.. مئوية تأسيس المدينة تصادِف عقد المجزرة الأكبر في الحي الغربي
تتداخل الاحتفالية المئوية هذا العام مع محطة زمنية أخرى بالغة القسوة؛ إذ يمر العقد الأول (عشر سنوات) على تفجير الحي الغربي الدامي الذي هز المدينة في 27 تموز 2016، مخلفاً 62 شهيداً وأكثر من 177 جريحاً، فضلاً عن دمار هائل في الأبنية السكنية والمؤسسات.
هذا الجرح الغائر الذي لم يندمل بعد في الوجدان الجمعي لأهالي قامشلو، يقف اليوم شاهداً على الفواتير الباهظة التي دفعتها المدينة من دماء أبنائها واستقرارها.
تأتي هذه الذكرى لتذكر بأن انكفاء المدينة يعود جزئياً إلى الصدمات الأمنية المتتالية التي استهدفت نسيجها البشري وأمانها، وجعلت من البقاء داخلها تحدياً يومياً قاد بدوره إلى تسريع وتيرة الهجرة.
شوارع مهترئة وموازنات عاجزة.. شريان المدينة الغارق في الحفر والإهمال
لا تتوقف التحديات عند الجانب الإداري والتراثي، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان؛ إذ تشهد شوارع المدينة الرئيسة والفرعية والأحياء، تدهوراً كبيراً واهتراءً في شبكات الطرق وانتشار الحفر والتشققات التي تزداد سوءاً بفعل الأمطار والظروف الجوية.
ويشتكي سائقو سيارات الأجرة والأهالي من الأعطال الميكانيكية المتكررة والأزمات المرورية الناجمة عن سوء حالة الشوارع.
ورغم أن بلدية الشعب استأنفت في حزيران وتشرين الثاني 2025، ومجدداً في حزيران 2026، مشاريع إعادة تأهيل وتزفيت الشوارع بالتعاون مع شركة "زاكروس" للطرقات، شملت رصد موازنات هائلة ومشاريع ضخمة إلا أن هذه الجهود بقيت عاجزة عن تسوية شبكة الطرقات بالكامل.
ويعزو المسؤولون الفنيون بقاء الأزمة إلى أن المخصصات والموازنات المتاحة غير كافية نهائياً لتلبية الاحتياجات الخدمية الضخمة والبنية التحتية المتهالكة للمدينة.
العبور المعلّق نحو القرن الثاني.. هل ينتصر خيار المؤسسات أم تتبدد هوية عروس الجزيرة؟
في خضم الاستعدادات الخجولة لإحياء المئوية في "حديقة آزادي" المقررة في 20 آب 2026، لا تبدو أزمة قامشلو اليوم مجرد حفر في الشوارع أو إزالة لحجارة إسمنتية أثرية، بل هي انعكاس مباشر لأزمة أعمق تتعلق بالهوية المؤسساتية للمدينة ومستقبلها الإداري وبقائها الديموغرافي.
إن مشهد الآليات التي سوّت مبنى بلدية 1935 التاريخي بالتراب يتقاطع بصورة رمزية مع مشهد الطرقات المهترئة التي تعجز الموازنات المحلية المحدودة عن رصفها، ونزيف قوافل المهاجرين الذين يتركون بيوتهم هرباً من واقع معقد، ليرسموا معاً ملامح حاضرة تعيش مرحلة انتقالية قلقة ومصيرية.
يضع هذا الواقع المدينة أمام تساؤل جوهري حول مصيرها التنظيمي والخدمي؟ بين قرارات الإدارة الذاتية التي تمضي في مشاريعها الاستثمارية المستندة إلى لوائح محلية سابقة، وبين تحذيرات الفريق الرئاسي "لاتفاق 29 كانون الثاني" الذي يطالب بوقف فرض الأمر الواقع بانتظار الاندماج الإداري الكامل مع الحكومة، يبقى المواطن في قامشلو هو الحلقة الأكثر تأثراً.
إن العبور الآمن لعروس الجزيرة نحو قرنها الثاني يتطلب ما هو أكثر من الاحتفالات الشعبيّة؛ إنه يقتضي حلاً سياسياً ومؤسساتياً شاملاً ينهي حالة الازدواجية الإدارية، ويعيد بناء البنية التحتية المتهالكة، ويخلق بيئة مستقرة توقف نزيف عقولها وشبابها، لحماية ما تبقى من الهوية البصرية والتاريخية لمدينة بنيت أساساً على قيم التلاقي والتنظيم الفريد.


.jpg&w=3840&q=75)
