مؤشرات المشهد السياسي العراقي تتدحرج
إلى مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل فيها الحسابات الداخلية فرض قوة القانون مع
المصالح الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها المصالح الأميركية (نزع سلاح فصائل
المقاومة) ووفق هذا التصور، ويبدو أن رئيس الوزراء، الذي وصل إلى السلطة بتوافق
القوى الشيعية، يقف اليوم أمام اختبار سياسي قد يدفعه إلى خيارات أكثر حدة، في ظل
تراجع الدعم الذي أوصله إلى الحكم.
في المقابل، يواجه الإطار
التنسيقي أزمة سياسية حقيقية، مع تزايد المؤشرات التي توحي بإمكانية خسارته نفوذه
الشعبي والذي يشعر أحياناً بالعار السياسي وما قد يرافق ذلك من تداعيات تمس مكانته
السياسية خصوصاً وأن للمقاومة جمهوراً حقيقياً غيّب بالإعلام، لكن ظهر بقوة في
الواقع وفي مثل هذه الظروف، يبرز احتمال اللجوء إلى التصعيد الأمني بوصفه أداة
لإعادة ترتيب المشهد السلطة وتأجيل الاستحقاقات السياسية مثل التنمية ومكافحة
الفساد .
إن السؤال لا يتعلق بطبيعة الخصم
الذي قد تُوجَّه إليه العمليات الأمنية، سواء كان خلايا مسلحة أو فصائل شيعية،
وإنما بالنتيجة السياسية التي قد يحققها التصعيد نفسه. فحالة الطوارئ والاشتباك
المسلح قد تفرض واقعاً جديداً يعيد رسم موازين القوى .
وفي هذا السياق، يبدو أن العامل
الخارجي الأكثر تأثيراً هو الموقف الأميركي، وتحديداً موقف الرئيس الأميركي دونالد
ترمب. ووفق هذه القراءة، فإن أي قرار كبير يتعلق بالتصعيد الأمني لن يكون بعيداً
عن حسابات واشنطن، بينما تتراجع قدرة بقية الأطراف الدولية والإقليمية على التأثير
في مسار الأحداث.
كما أن آلية إدارة الملف الأمني
تعكس درجة عالية من المركزية، إذ تتجه الحكومة إلى إحكام قبضتها على المؤسسات
الأمنية عبر تعيين شخصيات تتوافق مع رؤيتها السياسية. غير أن التجربة الإدارية
تشير إلى أن فرض قيادات من خارج المؤسسة لا يضمن نجاحها؛ فلكل مؤسسة ثقافتها المهنية
وتقاليدها التنظيمية التي يصعب تجاوزها بالقرار السياسي وحده.
وغالباً ما يكتشف المسؤول الذي
يصل إلى موقعه بقرار سياسي أن نجاحه مرهون بكسب ثقة المؤسسة التي يقودها، لا
بالجهة التي جاءت به. ومع مرور الوقت، يتحول ولاؤه المهني إلى المؤسسة أكثر من
ولائه لمن عيّنه، الأمر الذي يجعل الرهان على التعيينات الأمنية استعداداً
لمواجهات محتملة رهاناً غير مضمون النتائج، وهو ما يحدث الآن.
ومن هنا، فإن أي تعيين لا يستند
إلى معايير الكفاءة والخبرة المهنية يظل معرضاً للفشل، لأنه يضعف استقلالية
المؤسسات ويقيد قدرتها على أداء وظائفها بعيداً عن التجاذبات السياسية.
إن العراق اليوم بحاجة إلى مؤسسات
قوية، لا إلى صراعات جديدة. أما تحويل الملف الأمني إلى أداة لمعالجة الأزمات
السياسية أو حماية المواقع التنفيذية، فإنه يحمل مخاطر جسيمة على استقرار الدولة،
ويهدد بإدخال البلاد في دورة جديدة من المواجهات، يكون الخاسر الأكبر فيها هو
المواطن العراقي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل
سيكون التصعيد الأمني خياراً تفرضه ضرورات الدولة، أم أنه سيُستخدم وسيلة لإعادة
إنتاج التوازنات السياسية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير ملامح المرحلة
المقبلة ومستقبل العملية السياسية في العراق.
ولكن لماذا الآن؟، ومن الذي يطلق
الصفارة في عملية يتآكل فيها الشيعة وحدهم دون غيرهم.



