يحمل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الأعوام الأربعة القادمة حملاً ثقيلاً، ليس لأنه حصل في انتخابات 39 أيلول من هذا العام على 45 مقعداً برلمانياً، بل لأن عليه أن يدير دفة الحكم في إقليم كوردستان والعلاقات مع بغداد، كما قال السيد نيجيرفان البارزاني: "سيكون فكر بغداد مركزاً على أربيل"، ولكي ينجح في هاتين المهمتين، يجب أن يكون هناك استقرار سياسي، ولكي يكون هناك استقرار سياسي في كوردستان، يجب أن يضطلع الحزب الديمقراطي الكوردستاني بدور الأخ الكبير، ليس من خلال عدد المقاعد الكبير بل من خلال العمل الجماعي وروح الفريق الواحد في الحكومة.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني
لن يتحقق الاستقرار السياسي مع وجود مشاكل مع محيطك. لهذا يجب على الحزب الديمقراطي الكوردستاني تصفير مشاكله على المستويين المحلي والخارجي، لأن وجود مشاكل مع الأطراف المحلية والخارجية يخلق عقبات كبيرة في طريق إدارة إقليم كوردستان. كما يمكن للحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يصبح القوة التي تؤثر في حل المشاكل على المستويين المحلي والعراقي.
الذي يهم هو بحث الحزب الديمقراطي الكوردستاني عن شريك حقيقي لا يغادر الحكومة في الأعوام الأربعة القادمة، وقد يكون الاتحاد الوطني الكوردستاني من هذا النوع من الشركاء المحتملين. الاتحاد الوطني الكوردستاني منقسم الآن إلى جناحين، يتفق الحزب الديمقراطي الكوردستاني مع جناح عائلة الطالباني ليندم فيما بعد، ويتفق أحياناً مع جناح كوسرت رسول وتكون عاقبته الندم أيضاً، لأن الجناحين يؤيدان الحزب الديمقراطي الكوردستاني من أجل مكاسب آنية قصيرة الأمد.
والآن بعد 16 أكتوبر الذي كان لعائلة الطالباني دور فيه، وبعد الثاني من أكتوبر عندما لعب جناح كوسرت رسول دوراً في حسم مسألة منصب رئاسة جمهورية العراق، كيف يمكن للحزب الديمقراطي الكوردستاني حفظ التوازن بين جناحي الاتحاد الوطني بشأن حصة الأخير في رئاسة برلمان كوردستان وفي حكومة الإقليم؟ ومع أي من الجناحين يمكن أن يتفق؟ يقوم الحزب الديمقراطي الكوردستاني بدراسة دقيقة لمعرفة أي من الجناحين لديه أساس قوي في اتخاذ القرار وأي منهما مستعد ليكون شريكاً حقيقياً له في حكم إقليم كوردستان على مدار أربعة أعوام. المعروف هو أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إضافة إلى أنه مستاء من جناح كوسرت رسول، ليس أمامه ما يضمن أن يكون الفريق الذي يشترك به هذا الجناح في الحكومة ورئاسة البرلمان فريقاً متماسكاً قوياً يصمد أربعة أعوام، لكن جناح عائلة الطالباني مستعد لضمان عدم قلب ظهر المجن على الديمقراطي الكوردستاني في رئاسة البرلمان وفي الحكومة.
المطلب الرئيس الذي يلح عليه بافل الطالباني، وهو الذي يتخذ القرار النهائي في الاتحاد الوطني الكوردستاني حالياً، ويطالب به الحزب الديمقراطي الكوردستاني، هو بقاء شقيقه (قوباد الطالباني) في منصب نائب رئيس وزراء إقليم كوردستان، كما يطالب بوزارة سيادية ويتطلع إلى وزارة الداخلية. لا شك أنه في حال وافق الحزب الديمقراطي الكوردستاني على أن تذهب رئاسة البرلمان إلى الاتحاد الوطني الكوردستاني، فإن عائلة الطالباني ستستحوذ على المنصب وقد أعلن هذا جهاراً.
يخبر السيد بافل الحزب الديمقراطي الكوردستاني بأنه اتفق معه على منصب رئاسة الجمهورية في المنطقة الخضراء ببغداد، لكن السيد كوسرت هو الذي أفشل الاتفاق لصالح برهم صالح ولم يجن من ذلك شيئاً. يبدو أن بافل الطالباني كان حينها قد حسب حساب تشكيل حكومة إقليم كوردستان، لكن السيد كوسرت كان يفكر فقط في منصب برهم صالح الذي لا فائدة منه له شخصياً ولا للاتحاد الوطني ولا للكورد، ولن يفيد أحد من المنصب سوى برهم صالح نفسه.
كما أن جمهورية إيران الإسلامية تريد مكانة قوية لعائلة الطالباني في حكومة إقليم كوردستان، لكي يتحقق الاستقرار في إقليم كوردستان لمرحلة معينة، لأن إيران بعد العقوبات الأمريكية تحتاج إلى سوق مستقر وقوي عند جيرانها.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحركة التغيير
يصر الاتحاد الوطني الكوردستاني على أن لا تكون حركة التغيير جزءاً من الحكومة الجديدة، لكن من حق الحركة أن تشارك في الحكومة بصفتها القوة الثالثة الفائزة في الانتخابات.
والحقيقة هي أن الرغبة تخالج حركة التغيير للاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني لتكون جزءاً من الحكومة الجديدة، إلا أن حركة التغيير ليست أحسن حالاً من الاتحاد الوطني الكوردستاني. فعندما لا يكون بيت حركة التغيير بحالة جيدة، لا يبدو أنها ستتمكن من تشكيل فريق جيد وثابت لها داخل الحكومة، وسيكون للوضع الداخلي للحركة أثره على أداء فريقها في كل من الحكومة والبرلمان، وتكمن المشكلة الرئيسة لحركة التغيير في جمهورها الذي تمت تربيته على أن يكون معارضاً أكثر من المعارضة، وهذا الجمهور لا يستطيع الركون إلى الهدوء والسكينة، كما لن يسكت الاتحاد الوطني الكوردستاني على تقارب بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحركة التغيير على حسابه (مرة أخرى)، ويشاع أحياناً أن عائلة الطالباني، وخاصة لاهور الطالباني، لها تأثير كبير على حركة التغيير بحيث أن إشارة منها تستطيع تخريب العلاقة المزمع استعادتها بين الديمقراطي الكوردستاني والتغيير، كما حدث في 23 حزيران.
ويبدو أن مهمة الحزب الديمقراطي الكوردستاني مع حركة التغيير، أثقل منها مع الاتحاد الوطني الكوردستاني، وتطالب التغيير بثلاث وزارات إحداها سيادية، لكن الديمقراطي الكوردستاني لم يقل كلمته الأخيرة بخصوص هذه المطالب.
هنا ينبغي أن لا يثير الديمقراطي الكوردستاني، عند التقارب مع حركة التغيير، حفيظة الاتحاد الوطني الكوردستاني وأن لا يهدده في حالات داخل البرلمان لتمرير قانون يستوجب إجماعاً وطنياً، من أجل الحفاظ على الاستقرار السياسي، بل يجب التعامل مع الاتحاد الوطني الكوردستاني كما هو.
هدف الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو العمل على أن لا يتراجع عدد مقاعده في البرلمان في الانتخابات القادمة، ويريد الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يكون ضمن حكومة قوية ويعمل على إضعاف حركة التغيير لتقليص الهوة الكبيرة بين عدد مقاعده وعدد مقاعد الديمقراطي الكوردستاني في البرلمان. أما حركة التغيير فتريد المشاركة في الحكومة لتحافظ على الأقل على ما هو قائم، وتعمل من خلال المواقع الحكومية التي ستحصل عليها من أجل خلق أمل لدى جمهورها.
الجماعة الإسلامية خارج المعادلة
كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني يخاطب أمير الجماعة الإسلامية بلقب (الأستاذ) بنبرة صادقة قل أن يجدها المرء في مخطابات أعضاء الجماعة لأميرهم! لكن الجماعة الإسلامية تصرفت في بعض المواقف بصورة أفقدت الحزب الديمقراطي الكوردستاني ثقته بها، وبات الديمقراطي الكوردستاني مستاء من الجماعة لدرجة يصعب معها أن يستعيد ثقته بها بسهولة. في 23 حزيران وفي المشاركة في الاستفتاء، وبينما كانت الجماعة شريكة في الحكومة كانت معارضة أكثر من المعارضة، وفي البرلمان حدث ولا حرج. لهذا من المستحيل أن يجد الديمقراطي الكوردستاني مكاناً للجماعة الإسلامية في الحكومة.
الجيل الجديد والاتحاد الإسلامي
أعلن الاتحاد الإسلامي الكوردستاني أنه سيكون معارضاً، وجاء قرار الاتحاد الإسلامي هذا حرصاً منه على قاعدته الجماهيرية، رغم أن كثيراً من النقاش دار داخل الاتحاد الإسلامي بهدف عدم الانضمام إلى المعارضة، لكن ولغرض تخفيف السخط الناتج عن تراجع عدد أصواته ومقاعده، قررت قيادة الاتحاد الإسلامي إلتزام جانب المعارضة، ويحترم الحزب الديمقراطي الكوردستاني هذا القرار.
أما حراك الجيل الجديد فليس بالقوة التي يمكن التعويل عليها في المعارضة ولا في الحكومة، ومع أن الحراك كان واثقاً من عدم إشراكه في الحكومة، فإنه سارع للإعلان عن أنه سيكون معارضاً. هذه القوة لن تصمد حتى النهاية في خضم التجاذبات السياسية في إقليم كوردستان، لأنني لا أراهم جيلاً جديداً! بل هم جيل الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني والتغيير والإسلاميين.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



