رووداو ديجيتال
الأبيض والأزرق بكل تدرجاته، بصورة خاصة، والأخضر قليلاً، ثلاثة ألوان تشكل الهوية اللونية لفضاء المدينة العتيقة لأصيلة المغربية التي تغسل وجهها كل يوم بالشمس المبهرة وبرذاذ أمواج المحيط الأطلسي الذي يمنحها سحراً جمالياً متدفقاً بالحياة وتكون أصواتها إيقاعاً موسيقياً لمشهد لن يُمل يالرغم من تكراره ليلاً ونهاراً، ويكون مع بقايا سورها التاريخي درعاً لحمايتها.. شبكة رووداو الإعلامية زارت المدينة التي تتمسك بتراثها وحاضرها والمنفتحة على العالم.
زيليس التي صارت أصيلة
عُرفت المدينة، التي تقع على بعد 31 كيلومتراً جنوب مدينة طنجة، في أقصى الشمال الغربي للمملكة المغربية، وتبلغ مساحتها 33 كيلومتراً مربعاً، في العصور الفينيقية بالاسم الأمازيغي (زيليس) أو (زيلي). لكن بعد الإنشاء الإسلامي الثاني لها، عُرفت باسم (أصيلة). ويعود تاريخ نشأتها إلى أكثر من ألفي سنة، فقد سَكَنها الأمازيغ ثم الفنيقيون والقرطاجنيون.

يمكنك دخول أحياء المدينة العتيقة عبر ثلاثة أبواب هي: باب القصبة، وباب البحر، وباب الحومر، وما إن تكون هناك اترك لنفسك حرية الحركة والاكتشاف بلا تخطيط مسبق، فأينما تَقُدْك خطاك إلى أزقتها وبين بيوتها التي تتلون جدرانها بالأبيض والأزرق بينما تتلون أبوابها بالأخضر المشع وتزدحم الأزقة، بالنباتات التي تمنحها الحياة، تُدهِشْك مفاجأتها الجمالية.
فضاءات الدهشة
فضاءات وطرقات ودروب ضيقة مزدحمة بدكاكين الصناعات الشعبية والتراثية القادمة من طنجة وفاس ومكناس واليوسفي وغيرها من المدن المغربية التي تتجمع في أسواق أصيلة، إلى جانب غاليرهات (صالات عرض) للفنون التشكيلية لرسامين ونحاتين محليين ومغاربة من مدن أخرى، هؤلاء الذين تركوا بصماتهم وتواقيعهم الفنية على جدران المدينة حتى تحولت إلى اكبر معرض مفتوح في الهواء الطلق، حيث تتداخل وتختلف أساليب ومدارس وتقنيات الفنون التشكيلية، بينها التجريدي والسوريالي والانطباعي والواقعي، لكن ما يجمع بينها هو طابعها المميز وانتماؤها إلى الفضاء التشكيلي المغربي من حيث الموضوع والألوان والإنشاء.
بحسب الفنان التشكيلي يوسف، ابن أصيلة، ولا يزال يسكن في المدينة القديمة، وله جدارية في أحد أزقتها، فإنه لم يدرس الفن التشكيلي بل تعلمه منذ صغره وأسس له أسلوبية متفردة تميل بشدة نحو السوريالية، لكن شخوصها وألوانها مغربية مستمدة من الواقع المعاش.
تحدث يوسف لرووداو قائلاً: "هذا المشغل كان دكاناً لأبي، في زنقة التجارة، وحولته إلى مشغل ومعرض لأعمالي"، مشيراً إلى أن "زوار المعرض والأكثر اقتناء لأعمالي هم الأوربيون".
مقابل معرض يوسف، وعند ركن صغير، يقع مقهى شقيقه عبد الله الذي يقدم العصائر، التقبيدية، اسكنجبيل والليمون، مثلاً، والمعجنات المغربية، يوضح "هذه المقهى كانت غرفة (دار) في بيت أهلي وقد حولت بقية البيت إلى شقة بثلاث غرف تتجه عمودياً إلى ثلاث طوابق ليست واسعة تؤجر للسياح الغربيين الذين يفضلون السكن بالمدينة القديمة"، منبهاً إلى أن "بعض سكان القصبة الأصليين باعوا بيوتهم بأسعار عالية جداً للأوربيين، الإسبان والفرنسيين والإيطاليين، لكننا لم نبع أملاكنا وما زلنا نعيش هنا منذ عقود طويلة".

"مرحبا بك"
يمتاز أهالي أصيلة، الذين لا يزيد عددهم عن الـ 140 ألف نسمة، بثقافة معرفية عن تاريخ أصيلة، وبالطيبة والهدوء والكرم ومعاونة الآخرين والترحيب بالزوار، وهم يرددون مفردات "مرحبا بك"، و"صحة وعافية" خاصة إذا تناولت وجبات طعامها المميز والعامر بأنواع الأسماك وثمار البحر الطازجة والطاجين والشاي المغربي وأطباق حلوياتها المميزة.

زنقة التجارة
يتحدث سكان المدينة العتيقة في أصيلة إضافة إلى اللغة المغربية الدارجة، العربية والإسبانية والفرنسية بحكم التجاور والتجارة وترويج بضاعتهم، بينهم على سبيل المثال حسن، تاجر السجاد اليدوي، في زنقة التجارة، الذي شرح لنا أن "كل سجادة معروضة هنا، تمثل منطقة مغربية، من حيث الخيوط المستخدمة، وطريقة النسيج اليدوي، والألوان والأشكال والحكايات، وكذلك الأسعار التي تتراوح ما بين 10 آلاف و50 ألف درهم مغربي، وتلقى هذه الصناعات القادمة من مدن مجاورة أو بعيدة عن أصيلة، إقبالاً من الأوربيين وبعض العرب".

بوابات وأزقة
بنيت المدينة العتيقة على شكل مستطيل مقابل للشاطئ، وتتكون من خمسة أحياء رئيسة هي: القيسارية (الحي الذي يحتوي على الأسواق)، حومة ابن عياد، حومة المجيمع، حومة القريقية (الحي البرتغالي) والقصبة، وهي عبارة عن قلعة كبيرة مستطيلة تواجه شاطئ البحر وتعد النواة الأولى للمدينة وتحتوي على المسجد الجامع والأبراج الأولى التي بنيت خلال القرن الثالث الهجري. وتفصل بين هذه الأحياء عدة أزقة يسمى الواحد منها محلياً (المحج)، ومن أهمها: محج القادرية، زقاق القاضي، زنقة التجارة، محج الكتانية، محج ابن حمدوش، محج ابن عامر، محج سيدي امبارك، ومحج سيدي ابن عيسى. وتتوسط المدينة ثلاث ساحات متفاوتة الحجم هي: ساحة القمرة وهي الأكبر حجماً، وساحة الطيقان، وساحة ابن عيسى.
يحيط بالمدينة القديمة سور بطول 1200 متر، وبارتفاع يتراوح ما بين 7 و 5 أمتار، تتخلله 5 أبواب هي: باب البحر، الذي يقع في الناحية الشمالية الغربية للمدينة في الجهة المقابلة؛ باب القصبة، ويقع في الجهة الشمالية الشرقية للمدينة ويؤدي إلى منطقة القصبة؛ باب السوق ويقع في الجدار الشرقي للمدينة ويؤدي إلى حي القيساري؛ باب الحومر ويقع أيضاً على الجانب الشرقي للمدينة؛ وباب القريقية ويقع في الركن الجنوبي الغربي ويؤدي إلى برج القريقية.

أرض اللقاء والحوار
عند مدخل المدينة العتيقة نقرأ لافتة تقول: "أصيلة.. أرض اللقاء والحوار"، وهو شعار منتدى أصيلة الدولي، الذي أسسه المفكر والشخصية السياسية والدبلوماسية، الراحل، محمد بن عيسى، منذ 48 عاماً، والذي تدين له المدينة والمملكة المغربية عموماً بواحد من أهم المنتديات الثقافية والفكرية، بل يعد علامة بارزة، لا مغاربياً فحسب، بل عربياً وأوربياً، حيث حضرنا إلى جانب شخصيات فكرية وسياسية وأكاديمية وثقافية، جلسات دورته الخريفية الـ 47، ويدير، بنجاح، مؤسسة منتدى أصيلة الدولي الكاتب والباحث المغربي حاتم البطيوي، وهو ابن مدينة أصيلة وعاصر المنتدى منذ فتوته، تساعده في تنظيم المواعيد والدعوات وتنفيذ البرامج وبحرص كبير، ابنة أصيلة، سكينة حنين. ولا تقتصر برامج المنتدى على الحوارات والندوات الفكرية والسياسية، بل إن جزءاً كبيراً منها ثقافية وفنية تقام خلال خيمة الإبداع التي تضم ورشات الفن التشكيلي إضافة إلى الأماسي الموسيقية والغنائية التي تمثل الفن المغربي الأصيل.

بقي أن نعرف أن مدينة أصيلة خلدت أسماء زوارها ومريديها من الشعراء الكبار بإنشاء حدائق تحمل أسماءهم، وهذه سابقة حضارية خلت منها كل المدن العربية، وهم: الشاعر العراقي بلند الحيدري الذي أسس منتدى أصيلة جائزة باسمه للشعراء العرب الشباب، والشاعر الكونگولي تشكايا أوتامسي، والروائي السوداني الطيب صالح، والشاعر الفلسطيني محمود درويش، والمفكر المغربي محمد عابد الجابري، والشاعر المغربي أحمد عبد السلام البقالي، والشاعر والأديب المغربي محمد عزيز الحبابي.

تصوير: معد فياض - رووداو



.jpeg&w=3840&q=75)