رووداو ديجيتال
أعلنت
عالمة الأنثروبولوجيا القديمة في جامعة كامبريدج وقائدة الفريق البحثي في كهف
شاندر بإقليم كوردستان، إيما بوميروي، عن تفاصيل اكتشاف أثري استثنائي يسلّط ضوءاً
جديداً على تاريخ العنف البشري وسلوكيات مجتمعات النياندرتال قبل نحو 75 ألف عام،
كاشفةً عن "أدلة مادية لعنف مميت استُخدم فيه رمح خشبي".
تفاصيل
الهيكل الجديد "شاندر A"
وعلامات العنف المزدوج
أوضحت
بوميروي في لقاء مع شبكة رووداو الإعلامية أجراه نمه نبز أن "الاكتشاف الأخير يتمثل في هيكل عظمي غير مكتمل لشخص بالغ أُطلق
عليه اسم (Shanidar A)،
وُجد في نفس النطاق الجغرافي الذي عُثر فيه سابقاً على هيكل (Shanidar Z) المعروف محلياً بـ "السيدة زد"
(والتي يعود تاريخها إلى 70 ألف عام)".
وبينت
عالمة الآثار أن الفحوصات الجنائية للهيكل الجديد أظهرت " تعرض هذا الفرد
لواقعتي عنف أو صدمة جسدية منفصلتين في حياته":
الواقعة
الأولى (إصابة قديمة ونجاة): "تعرض لضربة بالغة الشدة على الوجه أدت إلى
انشطار أحد أسنانه الأمامية رأسياً من الأعلى إلى الأسفل؛ حيث سقط نصف السن وظل النصف
الآخر عالقاً في الفك".
وأكدت
الفحوصات أن "المصاب نجا من هذه الضربة" وعاش بعدها لفترة تتراوح بين
عدة أشهر إلى عام على الأقل، بدليل تراكم طبقة سميكة من "جير الأسنان"
(القلح السني) فوق السن المكسور بالكامل، وهي مادة لا تتكون إلا أثناء بقاء
الإنسان حياً وتستغرق عاماً على الأقل لتصل إلى هذا الحجم.
الواقعة
الثانية (إصابة قاتلة): "طعنة رمح نافذة استقرت في لوح الكتف الأيسر، مخترقةً
إياه من الأمام إلى الخلف، وقد حدثت في وقت الوفاة دون أن تترك أي أثر لالتئام
العظام، مما يؤكد أنها كانت سبباً مباشراً لموته".
سلاح
الجريمة
أكدت
بوميروي أن الفريق متأكد بدرجة عالية من أن السلاح كان "رمحاً خشبياً"،
حيث جاء شكل الفتحة الدائرية المنتظمة في لوح الكتف مطابقاً تماما لنتائج تجارب
محاكاة علمية طُعنت فيها جيف حيوانات برماح خشبية، على عكس الرماح ذات الرؤوس
الحجرية التي تترك كسوراً وفجوات غير منتظمة. كما "تم العثور على شظايا دقيقة
للغاية منزوعة من حواف الثقب ومستقرة أسفل لوح الكتف".
وحول
ما إذا كان الحادث قتلاً متعمداً أم مجرد حادث صيد عرضي، أشارت الباحثة إلى أن النياندرتال
استخدموا نوعين من الرماح:
رماح
القذف (الرمي عن بُعد): وتُبقي احتمالية وقوع حادث عرضي أثناء الصيد قائمة إذا
أُطلقت من مسافة بعيدة وسط الأحراش.
رماح
الطعن المباشر: وهي رماح ثقيلة تُمسك بكلتا اليدين ويُطعن بها من مسافة متر إلى
مترين فقط.
ونظراً
لأن مسار الجرح كان نافذاً من الأمام نحو الخلف، فهذا يعني أن "المهاجم كان
يقف وجهاً لوجه على مسافة شديدة القرب من الضحية، مما يرجح فرضية الهجوم المتعمد
والمقصود".
شواهد
التضامن الاجتماعي والرعاية الإنسانية
وبيّنت
الدراسة أن إصابة الوجه المتقدمة كانت تمنع المصاب من التحدث بسهولة وتجعل من
تناول الطعام والشراب تجربة مؤلمة للغاية، ما يعني "حتمية حصوله على رعاية
حثيثة ومساعدة في الغذاء من أفراد مجموعته للتعافي والبقاء حياً"، وهو ما
يعزز نظرية "التكافل الاجتماعي والتراحم" داخل مجتمعات النياندرتال، وهو
ما يتسق مع حالة الفرد الشهير "شاندر 1" المكتشف في خمسينيات القرن
الماضي والذي عاش لسنوات رغم إعاقات وإصابات بليغة بفضل رعاية رفاقه.
لغز
المقبرة ودفن الموتى عمداً خلف "الصخرة العظيمة"
وأكدت
بوميروي أن "الفريق حدد حتى الآن رفات خمسة أفراد من النياندرتال مدفونين في مساحة
صغيرة ومحدودة للغاية داخل كهف شاندر، وجميعهم موضوعون عمداً خلف صخرة عملاقة يصل
ارتفاعها إلى نحو مترين تفصل بين موقع الدفن ومدخل الكهف، مما يشير إلى أنها استُخدمت
كـ "شاخص" أو علامة لتحديد المقبرة".
وكشفت
التحليلات الجنائية والطبقات الأثرية أن "الجثامين لم تُدفن في وقت واحد"،
بل تم جلبها وإيداعها في نفس النقطة على فترات زمنية متفرقة امتدت بين بضع سنوات
إلى عقدين من الزمن (في نطاق الذاكرة الحية للمجموعة)، وهو دليل غير مسبوق عالمياً
يثبت أن النياندرتال مارسوا طقوس دفن دورية ومتعمدة في موقع ذي دلالة خاصة مقدسة
لديهم، بدلاً من ترك الجثث أو نثرها في أرجاء الكهف الواسع.
مراجعة
لغز "دفن الزهور" وتنقيبات المرحلة الانتقالية
وحول
الفرضية التاريخية الشهيرة بأن كهف شاندر شهد أول "دفن بالزهور" في
التاريخ، أوضحت بوميروي أن الفرضية لا تزال قيد الدراسة وغير مؤكدة، مشيرة إلى
أبحاث حديثة قادها زميلها كريس هانت رجحت أن "حبوب اللقاح التي عُثر عليها
سابقاً قد تكون دخلت عبر جحور حفرها النحل البري في التربة"، مؤكدة أن الفريق
يعيد حالياً فحص عينات الرواسب القديمة والجديدة المأخوذة من حيز هيكلي
"شاندر زد" و"شاندر إيه" لـ"التحقق من وجود بقايا نباتية
أو أزهار وُضعت مع الموتى".
كما
كشفت أن أعمال الحفر مستمرة، إذ لم يُنقّب سوى في جزء صغير من الكهف المترامي الأطراف،
وتتركز الأبحاث الحالية على حل لغز المرحلة الانتقالية (قبل 40 إلى 45 ألف عام)،
وهي اللحظة التاريخية الفاصلة التي "توقف فيها النياندرتال عن ارتياد الكهف وحل
محلهم البشر المعاصرون (Homo sapiens)
قبل انقراض النياندرتال النهائي، للتحقق مما إذا كان هناك تعايش أو تناوب على
استخدام الموقع".
ويتزامن
ذلك مع فحوص مخبرية موسعة تشمل:
حبوب
اللقاح: لإعادة بناء المناخ والغطاء النباتي في تلك الحقب.
الأدوات
الحجرية: لمعرفة تقنيات التصنيع والمواد التي كانت تُقطع بها.
عظام
الحيوانات: لدراسة النظام الغذائي وأساليب الصيد السائدة.
حفظ
الآثار والعودة المرتقبة إلى كوردستان
وفي
ختام حديثها، أكدت بوميروي أن "جميع البقايا العظمية بما فيها شاندر Z وشاندر A ستعود بشكل نهائي إلى إقليم كوردستان فور
الانتهاء من المعالجات المخبرية الحالية في كامبريدج، حيث تخضع لحفظ فائق الدقة
نظراً لهشاشتها الشديدة وحاجتها لبيئة ذات درجات حرارة ورطوبة ثابتة ومراقبة
إلكترونياً".
وأعربت
عن أملها في تطوير منشأة متخصصة ومتحف مؤهل في كوردستان بالمعايير البيئية المناسبة
لعرض هذه المكتشفات أمام الجمهور المحلي والباحثين، مشددة على أن "كهف شاندر يمثل
ركيزة لا غنى عنها في تدريس علم الآثار في جامعات العالم، ومحطة تاريخية فريدة
تثبت التنوع البشري خارج نطاق أوروبا الغربية وتستحق أعلى درجات الحماية والاعتراف
الدولي".

