رووداو ديجيتال
من المتعارف عليه اجتماعياً أن يكون عزاء المرء ثلاثة أيام، لكن أن يمتد العزاء لأكثر من 1300 سنة، فهذا يعني أن الفقيد بحجم أمة.
إنه مجلس عزاء حفيد نبي الإسلام، الإمام الحسين بن علي (ع)، أحد أشهر الشخصيات في التاريخ الإسلامي، ويخصص للرجال والنساء، في جامع "آلتون" بأربيل.
"نشكر إقليم كوردستان"
يقول الخطيب الحسيني، منتظر العيساوي، الذي ألقى خطبة في المسجد، لشبكة رووداو الإعلامية: "هذه المجالس تأتي تحت أطر العلم والمعرفة والثقافة الدينية، لقينا ترحيباً كبيراً في هذه الأماكن النيّرة، وكان الإخوة متعاونين، والحضور واسعاً".
وأضاف: "رحّب الإخوة في إقليم كوردستان بهذه البرامج، حيث أفسحوا المجال وأتاحوا هذه الفرصة. فالإمام الحسين ليس حكراً لأحد بل يمثل المبادئ الإنسانية والنبوية".
حول مدى الاقتداء برسالة الإمام الحسين الإصلاحية في العراق: "أول إعلان لسيد الشهداء هو مكافحة الفساد في كل مجالاته، وعنوانه (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي). كل الأنبياء في هذا المضمار كان القليل يقتدون بهم، كالنبي نوح، ونحن نقول إن مبادئ الإمام الحسين يجب أن تنتشر، فمن يُطبّق، فليطبّق، والعكس صحيح، فالدين ليس إجباراً".
شكّلت واقعة استشهاده في يوم العاشر من محرم سنة 61 هجرية، المعروف بعاشوراء، واحدة من أقسى وأكثر القصص إيلاماً، ومنذ ذلك الحين، يحيي المسلمون، خاصة من المذهب الشيعي، ذكرى استشهاده.
"الحسين عشق"
وعلى كرسيه المتحرك، يقول مواطن عراقي مسن حضر مجلس العزاء، لرووداو: "الإمام الحسين وكتيبته الأبطال قدموا الغالي في سبيل الأهداف السامية، فهنيئاً له ولكتيبته هذا الرقي وهذه الشهادة".
بشأن مدى قدرته على الحضور رغم وضعه الصحي، يقول: "نحاول بما نستطيع، فالحسين عشق ووله".
ومن كربلاء إلى أربيل، ففي عاصمة إقليم كوردستان تجسدت صورة تعبّر عن ثقافة التعايش المشترك وحرية الأديان، فالمسجد سنّي، والحيّ كوردي، والمراسم حسينية، والمعزّون من كافة أطياف المجتمع.
"استشهد ظلماً"
محمد جمعة، مواطن كوردي جاء بين الحضور متكئاً على كتف ذويه الذين يحملون كيس المغذي الخاص به، يقول لرووداو: "شخصياً، أحضر إلى هنا في شهر محرم منذ أوله لآخره، باستثناء هذه المرة، حضرت يوماً واحداً، بسبب وضعي الصحي. فأنا لا أفوّت فرصة حضور تعزية الإمام الحسين، لأنه شخص لكل الناس، وحفيد النبي، وابن سيدنا علي أسد الله، نريد دائماً أن نكون في خدمتهم".
ويردف رداً على سؤاله عن بكائه أثناء سماع الخطيب: "مجبر أن أبكي عليه لأنه استشهد ظلماً، وعلى كل مسلم أن يحزن عليه".
تتحول الكلمات الرثائية إلى موجة حزن تجتاح قلوب المعزّين، فتنهمر دموع الرجال لاطمين صدورهم، أمام الصوت الكربلائي الذي يصف هول تلك الأحداث.
"أنا سنّي والحسين جدّي"
عبد الله النعيمي، شاب بغدادي مقيم في أربيل، بدا نشيطاً في خدمة المعزين، وهو يرتدي عمامة خضراء فوق رأسه، يقول لرووداو: "نوزع الطعام والشراب والماء على المعزين منذ ساعات الصباح إلى آخر الليل على مدار 10 أيام، لقد فطرت على خدمة وحب الإمام الحسين منذ طفولتي".
وتابع: "أنا سنّي أنحدر من منطقة فيها سنّة وشيعة، لكني اخترت طريق الحسين لأنه يؤدي إلى باب الجنة، وأنا أنحدر من السادة لذا يعتبر جدي"، مبيناً عدم اعتراض عائلته على الأمر.
تكاليف تجاوزت 30 مليون دينار
يطغى السواد ومظاهر الحداد على المراسم التي يتخللها تلاوة القرآن الكريم وتوزيع الطعام والماء، اللذين يُقدّمان كدلالة رمزية لا كرفاهية، فالمغزى الأساسي من توزيعهما هو إحياء قيم الكرم والضيافة ومواساة أهل البيت واستذكار عطش الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه في معركة الطف.
من جهته، قال مسؤول قسم الطبخ في الجامع، سالم حسن فرمان، لرووداو، إنهم يوزعون الطعام لألفي شخص يومياً.
وذكر أنهم يستهلكون يومياً 175 كيلوغراماً من الأرز، و30-40 صندوق مياه، و120 كيلوغراماً من اللحم، و10-15 صندوقاً من الفواكه، و300 شطيرة، و30 صندوق كيك.
وكشف أن التكلفة، خلال العشرة أيام من محرم، تقدر بـ 32 مليون دينار، تقدم العتبة الحسينية أكثريتها، إلى جانب تبرعات من أربيل وآخرين من باقي المحافظات العراقية يقيمون في عاصمة إقليم كوردستان، وفق توضيحه.
"نستقبل 2500 شخص يومياً"
منذ سنوات، يستضيف جامع "آلتون" في بنصلاوة بأربيل المواكب الحسينية، تأكيداً على أن الجرح واحد، مهما اختلفت المذاهب.
من جهته، يقول رئيس هيئة المواكب في أربيل، أحمد رشيد، لرووداو: "هذه السنة الثامنة التي تقيم فيها العتبة الحسينية المراسم في أربيل بإقليم كوردستان".
وأضاف: "يتم التنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة أربيل، وبعدها نحن كهيئة نوجه الدعوات إلى الأهالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي".
حول المشاركين في التعزية، أوضح: "أغلبهم من أهالي محافظة أربيل، كورداً، وعرباً، وتركماناً، فأربيل هي خيمة لكل الطوائف. في السابق كان يأتي وفد من إيران، لكنهم غابوا هذه السنة، ويقدر العدد اليومي للمعزين بما بين 2000-2500 شخص".
انتهاء مراسم ذكرى عاشوراء تمهيد لشعيرة جديدة، حيث يفتح المشرفون على هذا الموكب باب التسجيل للراغبين في الذهاب إلى كربلاء لأربعينية الإمام الحسين (ع).


.jpg&w=3840&q=75)
