رووداو ديجيتال
لعقود من الزمن، بحث علماء الأعصاب داخل الدماغ
البشري عن مصدر "الوعي"، أي أنهم يسعون لفهم كيف نشعر بأنفسنا وبمحيطنا،
وكيف نفكر ونمتلك المشاعر. وذلك انطلاقاً من اعتقادهم بأن الدماغ هو سبب ومنشأ هذا
الوعي. ولكن، ماذا لو كان هذا التفكير خاطئاً؟
كريستوف كوخ، عالم الأعصاب الشهير في معهد ألن
بالولايات المتحدة، يطرح سؤالاً مختلفاً ومثيراً للغاية. يقول إن الوقت قد حان
لتغيير طريقة تفكيرنا والتساؤل: هل الدماغ هو من يخلق الوعي، أم أن الوعي شيء أكبر
وأكثر جوهرية، والدماغ يقتصر دوره على تشكيله؟
اللغز العلمي الكبير
صحيح أن العلماء يعرفون الكثير عن الدماغ،
ويدركون أي أجزاء منه مسؤولة عن الإبصار، الذاكرة، العاطفة، واتخاذ القرارات. ولكن
كما يقول كوخ، لم يتمكن العلم بعد من الإجابة على السؤال الأكبر: "كيف يمكن
لقطعة من اللحم (الدماغ) لا يتجاوز وزنها كيلوغراماً ونصف الكيلوغرام، وهي كأي شيء
آخر في هذا الكون، أن تكون قادرة على خلق الحب، الكراهية، الأحلام، الخوف، والأمل؟"
رهان خاسر منذ 25 عاماً!
في عام 2023، أقر كوخ بخسارته لرهان دام 25
عاماً، حيث كان قد توقع قبل 25 عاماً أن العلم سيكشف قريباً عن كيفية خلق الدماغ
للوعي، لكنه يقول الآن إن العلم لا يزال يقف عند النقطة نفسها.
ما هي النظرية الجديدة؟
يؤمن كوخ الآن بنظرية فلسفية تُعرف باسم المثالية التحليلية Analytic Idealism وفقاً لهذه
النظرية، الوعي ليس شيئاً يصنعه الدماغ، بل هو أحد العناصر الأساسية للكون نفسه
(مثل وجود الزمان والمكان). في هذه الحالة، يعمل الدماغ كمرشح أو جهاز يستقبل ذلك
الوعي الكوني ويحوله إلى تجربة خاصة بكل إنسان.
"الدماغ لا يخلق الوعي، بل يعمل كمرشح
يستقبل الوعي الكوني"
تجربة شخصية غيرت قناعاته
لم تنبع فكرة كوخ هذه من تجربة علمية، بل من
تجربة شخصية خاصة به. يروي أنه قبل بضع سنوات، كان يجلس وحيداً على شاطئ البحر،
وشعر فجأة بأن الحدود بينه وبين العالم قد تلاشت، وأحس "بحالة لا زمنية
وكونية". يقول إنها كانت اللحظة الأكثر معنى في حياته، ودفعته إلى تغيير
نظرته بالكامل لحقائق الكون.
يعترف بأن هذا ليس دليلاً علمياً، لكنه يقول
إنه لا ينبغي للعلماء تجاهل هذا النوع من المشاعر لمجرد عدم قدرتهم على فهمها.
وماذا عن الذكاء الاصطناعي؟
لهذه النظرية تأثير على الذكاء الاصطناعي
أيضاً. إذا لم يكن الوعي مجرد مجموعة من الحسابات الحاسوبية المعقدة (كما يحدث في
الدماغ)، فهذا يعني أن صنع روبوت أو جهاز يمتلك "وعياً" ومشاعر لن يتحقق
بمجرد بناء حاسوب أكثر قوة، بل سيكون الأمر أكثر تعقيداً بكثير.
في الختام، يقول كوخ إن الوعي لا يزال واحداً
من أكبر الألغاز التي لم يحلها العلم، ويقترح أنه لفهمه، قد يحتاج العلماء إلى
تغيير طريقة تفكيرهم بالكامل فيما يتعلق بالعلاقة بين الدماغ والعقل والكون.



