رووداو ديجيتال
في سعيٍ متواصل لاستكشاف تضاريس فن الرواية، صدر للروائي والناقد الكوردي السوري هيثم حسين كتاب جديد بعنوان "أثر الرواية" عن منشورات "رامينا" في لندن.
يأتي هذا العمل كحلقة جديدة في مشروع هيثم حسين النقدي، ليضع القارئ والكاتب أمام أسئلة السرد الوجودية، متأملاً في تحولات الكتابة، وعلاقة الرواية بالذاكرة والجغرافيا والجسد، في زمنٍ بات فيه الخيال الروائي في مواجهة تحديات غير مسبوقة.
جدلية السرد والحياة
يتحرك الكتاب في منطقة التماس بين الفكر والتجربة الإنسانية، حيث يرى حسين أن الرواية ليست مجرد حكاية، بل مساحة للاشتباك المعرفي. وفي حديث خاص حول مضمون الكتاب وهدفه، يوضح هيثم حسين لشبكة رووداو الإعلامية: "ينطلق كتاب (أثر الرواية في تجربة الكتابة الروائية) من تجربتي كروائي وناقد، ويتأمل الرواية كفضاء للفكر والذاكرة والخيال، وقدرتها على مساءلة العالم وإعادة قراءة التجربة الإنسانية. يناقش الكتاب علاقة الحكاية بالهوية، وتداخل الحياة مع السرد، ومسؤولية الروائي تجاه شخصياته وذاكرته، إلى جانب قضايا الحبكة والعنوان والغلاف والتسويق وأخلاقيات المهنة. أردت تقديم كتاب يجمع بين التأمل النقدي والخبرة الشخصية، ويخاطب الروائي والقارئ والباحث معاً".
"العلاقة بين الأدب والإعلام علاقة تكامل"
يتوقف الكتاب عند إشكالية معاصرة تتمثل في طغيان المواد الإخبارية والتقارير الواقعية على حساب "مختبر الكتابة". وعن هذه المفارقة، يقول حسين: "ينقل الإعلام الحدث في لحظته، بينما يتتبع الأدب أثره العميق في النفس والذاكرة والعلاقات الإنسانية. الأرقام والتقارير تخبرنا بما وقع، ويمنحنا الخيال فرصة لفهم ما عاشه الإنسان في قلب الواقعة وما تركته فيه. الخيال يعيد إلى الضحايا أسماءهم وأصواتهم وتفاصيلهم، ويفتح احتمالات تتجاوز الخبر العابر. لذلك أرى العلاقة بين الأدب والإعلام علاقة تكامل، مع احتفاظ الأدب بحريته وقدرته على مساءلة الروايات الجاهزة وكشف ما تغفله اللغة الخبرية".
الهوية بوصفها كائناً سردياً
في صفحات الكتاب، يغوص حسين في تشابكات الهوية التي لا تنفصل عن الحكاية، مستنداً إلى تجربته الشخصية كروائي مهاجر. وعن ذلك يضيف: "تتشكل هويتنا إلى حد بعيد من الحكايات التي نرويها عن أنفسنا وعن المكان الذي جئنا منه. في تجربتي، حملت الكتابة آثار البيئة الكوردية السورية، والحرب والمنفى والنجاة والانتقال بين الأمكنة واللغات. ساعدتني الحكاية على إعادة ترتيب هذه التجارب وحمايتها من الضياع، وفي الوقت نفسه أبقت هويتي مفتوحة على التحول والحوار. الهوية في الأدب كائن حي يعيد اكتشاف نفسه مع كل تجربة وحكاية جديدة".
الإبداع والنقد: تناغم لا تنافر
يجمع الروائي والناقد هيثم حسين في مسيرته بين دفء السرد وبرودة التحليل النقدي. وحول كيفية الجمع بينهما، يلفت إلى أن: "تغذي التجربتان إحداهما الأخرى. يمنحني النقد وعياً بالبناء واللغة والشخصيات، وتمنحني الرواية فرصة اختبار الأفكار داخل حياة متخيلة ونابضة. أثناء الكتابة أحاول منح الخيال حريته، ثم أستعيد عين الناقد في المراجعة وإعادة البناء. يبقى التحدي في ألّا تتحول المعرفة النقدية إلى رقابة تثقل النص أو تحدّ من مغامرته".
ما بعد "أثر الرواية"
لم يكتفِ حسين بتقديم هذا الكتاب النقدي، بل يكشف عن انشغاله بمشروع إبداعي جديد يحمل طابعاً مختلفاً، حيث صرح لرووداو قائلاً: "أعمل حالياً على رواية تستعيد شخصية تاريخية من منطقتنا، تركت أثراً عميقاً في تاريخ المنطقة والعالم. أعود من خلالها إلى حقبة حافلة بالصراعات والتحولات الكبرى، في تجربتي الأولى مع الرواية التاريخية بمعناها الشامل، حيث تتقاطع الوقائع مع الخيال لإعادة بناء الإنسان والزمن والعالم المحيط به".
يُذكر أن كتاب "أثر الرواية" يقع في 150 صفحة من القطع الوسط، ويحمل غلافه لوحة للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم، ليقدم خلاصة بحثية وإبداعية تضاف إلى المكتبة العربية في مجال التنظير الروائي.
نبذة عن الكاتب:
هيثم حسين، روائي وناقد كوردي سوري، من مواليد عامودا 1978، مقيم في لندن. عضو جمعية المؤلفين في بريطانيا، مؤسّس ومدير موقع الرواية نت. وصلت مجموعته القصصية "حين يمشي الجبل" إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة في الكويت، شارك في مهرجانات أدبيّة دولية، وترجمت أعماله إلى الإنكليزيّة والفرنسيّة والتشيكيّة والكورديّة والفارسيّة.
من أعماله في الرواية والسيرة والقصة والنقد: "آرام سليل الأوجاع المكابرة"، "رهائن الخطيئة"، "إبرة الرعب"، "عشبة ضارّة في الفردوس"، "قد لا يبقى أحد"، "العنصريّ في غربته"، "كريستال أفريقي"، "هكذا عشت الجحيم"، "حين يمشي الجبل"، "وجوه المنفى دروب الوطن"، "الرواية بين التلغيم والتلغيز"، "الرواية والحياة"، "الروائيّ يقرع طبول الحرب"، "الشخصيّة الروائيّة.. مسبار الكشف والانطلاق"، "لماذا يجب أن تكون روائياً؟!".


